قال ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية:"أي بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى بن مريم، وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة، فقال أبو عثمان النهدي، وقتادة: كانت ستمائة سنة. ورواه البخاري عن سلمان الفارسي، وعن قتادة أيضًا: خمسمائة وستون سنة، وقال معمر عن بعض أصحابه: خمسمائة وأربعون سنة والمشهور هو القول الأول، وهو أنها ستمائة سنة. إلخ. انتهى."
ومعنى الفترة: أي الزمن الذي لم يبعث فيه أحد من الرسل، ومع ذلك فهذه الفترة لم ينقطع فيها أثر النبوة، فإن العرب لم يزل عندهم بقية من دين إبراهيم وإسماعيل، حيث إنهم يفتخرون بالانتساب إلى إبراهيم، ولهذا ذكرهم الله بذلك بقوله: (مِلّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهيم هو سمَاكمُ المسلمين مِن قَبلٌ) (الحج:87) . فهم يعترفون بتوحيد الربوبية، ويخلصون لله العبادة في الشدة كلجة البحر، ويحجون البيت الحرام ويعتمرون، ويحترمون الأشهر الحرم، ويهدون الهدي، ويقلدونه القلائد التي أمر الله بعدم إحلالها، وعندهم خصال الفطرة: كالختان، ونحوه.
أما أهل الكتاب فعندهم التوراة والإنجيل والزبور، وفيهم دين أنبيائهم الذي توارثوه عن آبائهم، بما في ذلك معرفة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث: (يجدونه مكتوبًا عِندهم في التوراة والإنجيل) (الأعراف:157) . ولكن لطول هذه الفترة، ولكون الأنبياء الأولين تختص رسالاتهم بأقوامهم؛ سمى الله هذا الزمن الذي بين محمد صلى الله عليه وسلم وعيسى، وبينه وبين إبراهيم فترة، وذكر أهل الكتاب بذلك حيث إنهم أولى بقبول رسالته لمعرفتهم بالرسل ورسالاتهم ومعجزاتهم، فتكذيبهم له إنكار للحق مع وضوحه، وقد قال تعالى عن الجميع: (فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لو لا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى مِن قبل قالوا ساحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون) (القصص:48) ، يعني موسى وهارون، أي: تعاونا وتناصرا، وقرئ (سحران) ، أي: التوراة والقرآن.
أهل الفترة
السؤال:-
من هم الذين يحكم بأنهم من أهل الفترة؟
الجواب:-
يدخل فيهم الذين لم تبلغهم الرسالة ولم يعلموا بها، ولم يسمعوا بالشريعة، كالذين في أطراف الأرض وفي أقاصي البلاد، ممن نشأ في جهل عميق، ولم يكن حولهم من يعرفهم بالدِّين والتوحيد وعبادة الله تعالى، وحقه على العباد، كما يدخل فيهم أهل الفترة الذين انقطعت عنهم الرسالة، ولم يبق عندهم شيء من ميراث الأنبياء من الكتب والرسالات كما حصل لبني إسرائيل لما قتلهم بختنصر، وأحرق ما عندهم من الكتب المنزلة، ولم يبق إلا القليل الخافي أو ما في الصدور، ويدخل فيهم أيضًا من فقد السمع ولم يكن معه معرفة بالإشارة ونحوها، وكذا من فقد العقل كليًّا ولم يعرف ما يحدث في الناس، وهكذا من مات صغيرًا ولم يدرك ما أدركه الأكابر من العقل والفطنة ونحو هؤلاء.
من مات بعد مجيء الإسلام
السؤال:-
من مات بعد مجيء الإسلام، ولكن لم تصله الرسالة أو وصلته ولكن ناقصة أو محرّفة -أي لم يصله الدين الصحيح- فهل يعتبر من أهل الفترة؟
الجواب:-
لا شك أن نوع الإنسان مكلف ومأمور ومنهي، وعليه واجبات لربه، وقد خص الله نوع البشر بتكاليف حيث فضَّله بالعقل والتمييز، فمتى تم عقله وجبت عليه العبادات والفرائض الدينية، ووجب عليه ترك المحرمات، فإذا جهلها لزمه البحث والسؤال عما خُلِقَ له، فمتى فرط مع قدرته اعْتُبِرَ ملومًا.
ولا شك أنه يوجد في الفترات من يجهل الإسلام، ولم يصل إليه عنه خبر، وكذا من يصل إليه خبر الإسلام مشوهًا محرفًا، أو ناقصًا، ولا يستطيع الوصول إلى من يعرِّفه الإسلام والتوحيد الصحيح، فمثل هذا قد يُعْذَر ويُلْحَق بأهل الفترات، ولكن الغالب أنه يقلد من قبله، ويتبع من يصده عن الهدى، فيكون معه في العذاب، كما قال تعالى: (قالت أخراهم لأولهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابًا ضعفًا من النار قال لكل ضعفٌ ولكن لا تعلمون * وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون) (الأعراف:38-39) الآية، فأخراهم الأتباع، والأتباع، الذين أضلهم من قبلهم.
وقال تعالى: (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا) (البقرة:166-167) فالذين اتبعوا هم الأبناء والمتأخرون الذين أضلهم من قبلهم، أخبر بأنهم رأوا العذاب، وتقطعت بهم الأسباب.
وقال تعالى: (فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعًا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم) (إبراهيم:21) فالضعفاء هم الأولاد والأحفاد الذين قلدوا من قبلهم فلا ينجون من العذاب.
وقال تعالى: (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) (الأحزاب:67) ، عذبهم باتباعهم أكابرهم على الضلال.