وذكر عن الدار قطني حديثًا عن أنس مرفوعًا:"سألت ربي للاهين من البشر أن لا يعذبهم، فأعطانيهم فهم خدام أهل الجنة"، وهو حديث ضعيف.
السابع: أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة، فكما هم منهم في الدنيا فهم منهم في الآخرة، أي لو أسلم الآباء بعد موت الأطفال كان أولادهم معهم في الحكم.
الثامن: أنهم يمتحنون في عرصات القيامة ويرسل إليهم هناك رسول، وإلى كل من لم تبلغه الدعوة، فمن أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار، ويكون قوله صلى الله عليه وسلم:"الله أعلم بما كانوا عاملين"، أي: عند امتحانهم واختبارهم يظهر معلوم الله فيهم، ويتبين من يعلم الله فيه الخير أو الشر، ويجازون حسب ما يعلم الله فيهم من الأهلية واستحقاق الثواب أو العقاب.
وقد وردت بذلك أخبار كثيرة، ذكر بعضها ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا) (الإسراء:15) وابن القيم في الطبقة الرابعة عشرة في القول الثامن فيهم في آخر طريق الهجرتين. والله أعلم.
كيف حكم عليهم بأنهم من أهل النار؟
السؤال:-
ورد بأن أهل الفترة يختبرون، وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم حَكَمَ على بعض من مات قبل الرسالة بالنار فعندما سأله رجل عن أبيه فقال:"أبوك في النار". ثم قال له:"إن أبي وأباك في النار". فكيف حكم عليهم بأنهم من أهل النار مع أنهم ماتوا قبل مجيء الرسالة؟ أليسوا من أهل الفترة ؟
الجواب:-
وردت أحاديث كثيرة في امتحانهم في الدار الآخرة ذكرها ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا) (الإسراء:15) وابن القيم في كتابه:"طريق الهجرتين"في الطبقة الرابعة عشرة من طبقات المكلفين.
وأشهرها حديث الأسود بن سريع الذي رواه الإمام أحمد بسند صحيح عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أربعة يحتجون يوم القيامة، رجل أصم لا يسمع، ورجل هرم، ورجل أحمق، ورجل مات في الفترة"وفيه:"فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسول أن ادخلوا النار، فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا"، ثم رواه عن أبي هريرة وقال في آخره:"فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها رد إليها".
ومنها حديث أبي سعيد الخدري رواه محمد بن يحيى الذهلي والبزار عن عطية العوفي عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الهالك في الفترة، والمعتوه والمولود يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب، ويقول المعتوه: رب لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًا، ويقول المولود: رب لم أدرك العقل، فترفع لهم نار فيقال لهم: ردوها. قال: فيردها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًا لو أدرك العمل، فيقول: إياي عصيتم فكيف لو أن رسلي أتتكم". وفي رواية البزار:"فكيف برسلي بالغيب"قال بزار: لا يعرف إلا من طريق عطية عنه.
ومنها حديث معاذ بن جبل ذكره عن محمد بن المبارك الصوري، بإسناده عنه مرفوعًا:"يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلًا، وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرًا، فيقول الممسوخ: يا رب لو آتيتني عقلًا ما كان من آتيته عقلًا بأسعد مني، وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك، فيقول الرب عز وجل: إني آمركم بأمر فتطيعوني فيقولون: نعم، فيقول: اذهبوا فادخلوا النار. قال: ولو دخلوها ما ضرتهم، فتخرج عليهم قوابض فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعًا ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك، فيقول الرب عز وجل: قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون، ضميهم، فتأخذهم النار"، وفي إسناده ضعف. لكن يتقوَّى بالشواهد والطرق الأخرى والأحاديث التي ذكرها ابن كثير وغيره.
فهذه الأحاديث بمجموعها تثبت جنس الامتحان في يوم القيامة، حتى لا يعذب الله تعالى من لا يستحق العذاب.
وقد نقل ابن القيم وابن كثير عن ابن عبدالبر أنه قال:"أهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب، لأن الآخرة ليست دار عمل ولا ابتلاء، وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها"اهـ.
وأجاب ابن القيم بوجوه:
منها: أن أهل العلم لم يتفقوا على إنكارها، بل صححوا بعضها، فحديث الأسود رواه أحمد وإسحاق وابن المديني، فهو أجود من كثير من أحاديث الأحكام.
ومنها: أن أبا الحسن الأشعري حكى هذا المذهب عن أهل السنة، فدل على أنهم عملوا بالأحاديث، وذكر البيهقي في الاعتقاد له: أن بعض الأئمة نصوا على الامتحان، وقالوا: لا ينقطع إلا بدخول دار القرار.
ومنها: ما في الصحيح: في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، وأنه يعطي ربه عهودًا ومواثيق أن لا يسأل غير ما سأل، ثم يسأل، فيقول الله له: ويحك يا ابن آدم ما أغدرك، فالغدر مخالفة للعهد الذي عاهد عليه ربه.