فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فمن ذلك -عباد الله- ما أودعه الباري سبحانه بعض الجمادات من الغيرة على دينه والتأذي من انتهاك ابن آدم لحرمات الله سبحانه، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مُرَّ عليه بجنازة فقال: (مستريحٌ ومستَراحٌ منه»، فقالوا: يا رسول الله، ما المستريح؟ وما المستراح منه؟ قال: «إن العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب) . [رواه البخاري] (2) .
انظروا -يا رعاكم الله- كيف يتأذى الشجر والدواب من الرجل الفاجر وما يحدثه في الأرض من فساد وتخريب، وإعلانٍ لمعصية الله تعالى، والتي لا يقتصر شؤمُها على ابن آدم فحسب.وفي مقابل ذلك فإن بعض الدواب تفرح
بالتديُّن، وتشعر بأثره في ابن آدم، وببركته على وجه الأرض، ولذلك فهي تدعو له، وتصلي عليه، وتستغفر له، فقد روى الترمذي في جامعه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلُّون على معِلّم الناس الخير) (3) .
بل إنَّ الدواب جميعًا لتشفِق من يوم القيامة وتفرَق من قيام الساعة خوفًا من هولها وعرصاتها، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة خشيةَ أن تقوم الساعة) [رواه أحمد (4) والمصيخة هي المنصتة]
ولقد ورد أيضًا ما يدل على عبودية الديك لله ودعوتِه للخير والفلاح، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا الديك، فإنه يدعو إلى الصلاة) [رواه أحمد وأبو داود] (5) .
وقد روى الإمام أحمد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: (إنه ليس من فرسٍ عربيٍّ إلا يؤذَن له مع كل فجر يدعو بدعوةٍ يقول: اللهم إنك خوّلتني من خوّلتني من ابن آدم، فاجعلني من أحب أهله وماله إليه) ، فيقول: (إنَّ هذا الفرس قد استجيب له دعوته) [رواه أحمد] (6) .
وأمَّا النمل -يا رعاكم الله- فتلك أمةٌ من الأمم المسبحة لله سبحانه، مع صغر خلقتِها وهوان حالها وازدراء البشر لها، وهي التي قال الله عنها: ?حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونٌَ? [النمل:18] .
هذه النملة يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها: (قرصت نملةٌ نبيًا من الأنبياء، فأمر بقريةِ النمل فأُحرقت، فأوحى الله إليه: أفي أنْ قرصتك نملة أحرقتَ أمةً من الأمم تسبِّح لله؟!) [رواه البخاري] (7) .
وأمَّا الشجر وهو من النبات عباد الله، فقد قال الله عنه: ?وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانٌِ? [الرحمن:6] ، وروى ابن ماجه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (ما من ملبٍّ يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هن) (8) .
وأما ولاءُ الحجر والشجر للمؤمنين ونصرتُه لدين الله حينما يستنطقه خالقه فيُنبئ عن عمق عبوديته لربه وغيرته على دينه، فإن رسول الله قد قال عنه: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله) [رواه البخاري (9) ] .
فانظروا -يا رعاكم الله- إلى هذه المخلوقات الآنفة، إضافةً إلى الجبال الراسيات والأوتاد الشامخات، كيف تسبح بحمد الله، وتخشع له، وتشفق وتهبط من خشية الله، وهي التي خافت من ربها وخالقها إذ عرضَ عليها الأمانةَ فأشفقت من حملها، وكيف أنه تدكْدك الجبل لما تجلى ربنا لموسى عليه السلام، فهذه هي حال الجبال، وهي الحجارة الصلبة، وهذه رقتُها وخشيتها وتدكدُكُها من جلال ربها وعظمته، وقد أخبر الله أنه لو أنزل عليها القرآن لتصدعت من خشية الله.
فيا عجبا من مضغةِ لحم أقسى من صخر صلب، تسمعُ آيات الله تتلى عليها ثم تصرُّ مستكبرة كأن لم تسمعها، كأن في أذنيها وقرًا، فهي لا تلين ولا تخشع، ولا تهبط ولا تصدّع، ولو وعظها لقمان أو تليت عليها آيات القرآن، ولكن صدق الله: ?أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورٌِ? [الحج:46] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله إنه كان غفارًا.
أيها الناس، تكلّم ذئبٌ كلامًا عجيبًا إبانَ حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، كلاما يفيد بأن الذئب يؤمن بأن الرزق من عند الله، بل قد أمر هذا الذئب راعيَ الغنم بتقوى الله سبحانه، إضافةً إلى علم هذا الذئب بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- ورسالته.