القول الثالث: ما نقله الراغبُ الأصفهاني: أن القدر بمنزلة المعِدّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل، وهذا كما قال أبو عبيدة لعمر رضي الله عنه لما أراد الفرار من الطاعون بالشام: أتفرّ من القضاء؟ قال: أفرّ من قضاء الله إلى قدر الله، تنبيهًا على أن القدر ما لم يكن قضاءً فمرجوٌ أن يدفعه الله، فإذا قضي فلا مدفع له.
القول الرابع: قول الأشعرية: إن القضاء إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على وفق ما توجد عليه وجودها الحادث، كإرادته تعالى الأزلية بخلق الإنسان في الأرض. والقدر هو إيجاد الله الأشياء على مقاديرها المحدّدة بالقضاء في ذواتها وصفاتها وأفعالها وأطوالها وأزمنتها وأمكنتها وأسبابها، كإيجاد الله الإنسان فعلًا على وجه الأرض طبق ما سبق في قضائه سبحانه.
القول الخامس: قول الماتريدّية: إن القضاء راجع إلى التكوين كخلق الله الإنسان على ما هو عليه طبق الإرادة الأزلية. والقدر هو التقدير، وهو جعل الشيء بالإرادة على مقدار محدد قبل وجوده، ثم يكون وجوده في الواقع بالقضاء على وفق التقدير، كإرادته تعالى في الأزل إيجاد الإنسان على وجه مخصوص وصورة مخصوصة محددة المقادير.
خلاصة الأقوال:
1-الذين فرّقوا بينهما ليس لهم دليلٌ واضح من الكتاب والسنة، يفصل في القضية.
2-عند إطلاق أحدهما يشمل الآخر، وهذا يوحي بأنه لا فرق بينهما في الشرع؛ ولذا فالراجح أنه لا فرق بينهما.
3-ولا فائدة من هذا الخلاف؛ لأنه قد وقع الاتفاق على أن أحدهما يطلق على الآخر، وعند ذكرهما معًا، فلا مشاحة من تعريف أحدهما بما يدل عليه الآخر. والله أعلم.
مقاييس اللغة (5/99) .
النهاية في غريب الحديث (4/78) .
انظر: لسان العرب (15/186) مادة: قضى.
تفسير الطبري (17/413) .
انظر: الصحاح للجوهري (6/2463) ، ولسان العرب (15/187) مادة: قضى.
انظر: تفسير ابن كثير (2/575) .
الصحاح (6/2464) .
المصدر السابق (6/2464) .
تفسير الطبري (21/440) .
انظر: الصحاح (6/2464) .
لسان العرب (15/187) .
الصحاح (6/2463) ، ولسان العرب (15/187) .
مقاييس اللغة (5/62) .
التكملة والذيل والصلة للصغاني (3/159-160) .
مفردات القرآن (ص 659) .
شرح العقيدة الواسطية (ص 65) .
القضاء والقدر للدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود (ص 39-40) .
انظر: القضاء والقدر للدكتور المحمود (ص 39) .
القضاء والقدر للدكتور عبد الرحمن المحمود (ص 40-41) .
الأربعين في أصول الدين للغزالي (ص 24) ، وانظر: الدين الخالص لصديق حسن خان (3/154) .
فتح الباري (11/486) .
مفردات القرآن (ص 675-676) . وانظر: إرشاد الساري للقسطلاني (9/343) .
العقيدة الإسلامية وأسسها لعبد الرحمن حبنكة (ص 626) باختصار.
المصدر السابق. وانظر: الماتريدية دراسةً وتقويمًا لأحمد الحربي (ص 435-437) .
القضاء والقدر للمحمود (ص 44) .
ثانيًا: إثبات القضاء والقدر:
أ- الأدلة على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر:
قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَىْء خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر:49] .
قال الشوكاني:"إن كل شيء من الأشياء خلقه الله سبحانه متلبسًا بقدرٍ قدّره، وقضاءٍ قضاه سبق في علمه، مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه".
وقال تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} [الأحزاب:38] .
قال الحافظ ابن كثير:"أي: وكان أمره الذي يقدّره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه، ولا معدل، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن".
وقال صديق حسن خان:"أي: قضاء مقضيًا، وحكمًا مبتوتًا، وهو كظل ظليل، وليلٍ أليل، وروض أريض في قصد التأكيد".
ومن السنة حديث جبريل المشهور وفيه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: (( أن تؤمن بالله ملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره ) ).
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بالقدر خيره وشرّه من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ) ).
قال الحافظ ابن حجر:"الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، ومذهب السلف قاطبة أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى كما قال تعالى: {وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر:21] ".
ب- النصوص الدالة على تقدير الله أفعال العباد:
1-أعمال العباد جفت بها الأقلام وجرت بها المقادير:
عن سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول الله، بيّن لنا ديننا، كأنا خلقنا الآن، فيما العمل اليوم؛ أفيما جفّت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قال: (( لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير ) )، قال: ففيم العمل؟ فقال: (( اعملوا فكلٌ ميسَّرٌ ) )، وفي رواية: (( فكلٌ ميسرٌ لما خلق له ) ).
2-علم الله بأهل الجنة وأهل النار: