وكان عربي اللسان، يُحسن القرآن والنحو، ويحفظ الحديث والشعر، حَسَن المذاكرة.
وكان يقوم الليل إلا قليلًا، حتى إذا أقبل الفجر، خرج على فرسه إلى جامع عمرو، يحضر الحلقات، ويحفظ ويدرس، ويتحرّى من له حاجة من أصدقائه، ويفتي الناس.
وكان الليث من العلماء الأغنياء، فقد كان تاجرًا كبيرًا، وكان دخله في كل سنة ثمانين ألف دينار، وما أوجب الله عليه زكاة درهم قط، لأنه كان ينفق المال كله قبل أن يَحُول عليه الحَوْل. وقد بنى له دارًا كبيرة في الفسطاط لها نحو عشرين بابًا. وجعل فيها حديقة مليئة بالأشجار والزهر والريحان، وملأ داره بما استطاع الوصول إليه من كتب.
وقد سمع الإمام مالك بما يصنعه الليث: من تمتعه بأطيب الطعام، وتزينه بأبهى الثياب، وخروجه للنزهة في الحدائق والأسواق، فكتب مالك إليه معاتبًا: «بلغني أنك تأكل الرقاق وتلبس الرقاق (أي الثياب الرقيقة الفاخرة) وتمشي في الأسواق» .
فكتب إليه الليث: قال الله تعالى: (قُلْ: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ. قُلْ: هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأعراف:32) .
وكان بين الليث ومالك مراسلات علمية، يعرض كلّ منهما قواعد مذهبه ويُدافع عنها، ويردّ على صاحبه كل ذلك في أسلوب علمي رصين، وأدب رفيع، وخلق إسلامي فريد. وكان بينهما فوق ذلك هدايا متبادلة، كل منهما يرسل لصاحبه ما يتيسّر له، وقد أرسل مالك إلى الليث مرة طبقًا من تمر المدينة، فأعاد الليث الطبق نفسه وقد ملأه دنانير ذهبية عوضًا عن التمر.
وكان عند الليث ثياب بعدد أيام السنة، فما يلبس الثوب يومين متتاليين. وكان يُنفق من ماله على أهل العلم، وأصحابه، وجيرانه، ومن يعرف أنه صاحب حاجة. وكان يُطعم في كل يوم ثلاثمائة من الفقراء والمساكين. وعاش عمرَه يعطي السائل أكثر مما يسأل.
طلبت منه امرأة رطلًا من عسل لتعالج ابنها، في وقت شحَّ فيه العسل، فأمر كاتبه أن يُعطيها مرطًا من عسل (والمرط نحو مائة وعشرين رطلًا) ، فقال كاتبه: «سألتْكَ رطلًا. أتعطيها مرطا؟» فقال الليث: «سألتنا على قدرها، ونحن نعطيها على قدرنا» .
وكان يُعْنى بصحته أبلغ عناية حتى ليبدو أصغر من سنّه بأعوام. ذلك أنه كان يعطي بدنه حقه من الراحة.
توفي منتصف شهر شعبان سنة خمس وسبعين ومائة للهجرة.
(راجع: الأعلام 6 / 115. وفيات الأعيان 4 / 127. تاريخ بغداد 13 / 3. شذرات الذهب 1/ 285. البداية والنهاية 10 / 166. حسن المحاضرة 1 / 301. تذكرة الحفاظ 1 / 224. العبر1 / 266. المعارف ص / 505)