أوّلًا: التعرف على الله في الرخاء:
من كان مع الله كان الله معه بلا ريب ، كيف و لا جزاء للإحسان إلا بالإحسان ، و من تقرّب إلى الله شبرًا تقربّ إليه باعًا ، و من تقربّ إليه باعًا تقرّب إليه ذراعًا ، و من أتى ربّه ماشيًا أتاه ربُّه هرولة ، كما ثبت ذلك فيما رواه الشيخان و غيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال النبي: ( يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي ، و أنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، و إن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ، و إن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا ، و إن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا ، و إن أتاني يمشي أتيته هرولة ) .
قال الإمام الترمذي بعد أن روى هذا الحديث في سننه: و يروى عَن الأَعْمَشِ في تفسيرِ هَذَا الحَدِيثِ ( من تقرَّبَ منِّي شِبرًا تقرَّبتُ منهُ ذراعًا ) يعني: بالمغفرةِ و الرَّحمةِ ، و هكذا فسَّرَ بعضُ أهلِ العلمِ هَذَا الحَدِيثَ . قَالُوا: إنَّما معناهُ يقولُ: إذا تقرَّبَ إليَّ العبدُ بطَاعَتي و بما أَمَرْتُ تُسَارِعُ إليهِ مغفرتي و رَحْمَتِي .اهـ .
و روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، أنه قال: كنت رديف النبي فقال: ( يا غلام أو يا غُلَيم ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ؟ ) فقلت: بلى ، فقال: ( احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة ، و إذا سألت فاسأل الله ، و إذا استعنت فاستعن بالله ، قد جف القلم بما هو كائن ؛ فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ، و إن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ، و اعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا ، و أن النصر مع الصبر ، و أن الفَرَجَ مع الكرب ، و أن مع العُسر يُسرًا ) .
و مما تقدم و نحوه يتبين لنا فضل الإقبال على الله في ساعات الرخاء ، و تتأكد ثمرة ذلك في ساعات الشدائد و البلاء ؛ حيث تتجلى مكافأة بالأولى ، و هو نصرة الله و تسديده و تثبيته لعبده حين يكون أحوج ما يكون إلى رحمة من يقول: { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [ الحجر: 49 ] .
ثانيًا: الإيمان بالقدر:
لا شيء يبعث على التسليم و الطمأنينة عند نزول القضاء مثل التسليم لله في قضائه و قدره ، و البعد عن التسخط و الضجر .
قال تعالى: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } [ الحديد: 22 ] .
فلا يكمل إيمان عبد و لا يستقيم حتى يؤمن بالقدر خيره و شرّه ، و يعرف أن من صفته تعالى أن يُقَّدر و يلطف ، و يبتلي و يخفف ، و من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره { إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ } [ يوسف: 100 ] .
روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، و ما أخطأك لم يكن ليصيبك ، سمعت رسول الله يقول: ( إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب . قال: ربِّ ! و ماذا أكتب ؟ قال: اكتُب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ) يا بُنَيَّ ! إني سمعت رسول الله يقول: ( من مات على غير هذا فليس مني ) .
و ثبت في المسند و عند الطبراني ( في الأوسط ) عن أبي الدرداء رضي الله عنه ، عن النبي ، قال: ( لكل شيء حقيقة ، و ما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه ، و ما أخطأه لم يكن ليصيبه ) .
قال الإمام المناوي رحمه الله شارحًا هذا الحديث = [ في فيض القدير ] : ( إن لكل شيء حقيقة ) أي: كنهًا ( و ما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم ) علمًا جازمًا ( أن ) أي: بأن ( ما أصابه ) من المقادير ، أي: وصل إليه منها ( لم يكن ليُخطئه ) ؛ لأن ما قُدر عليه في الأزل لا بد أن يصيبه ، و لا يصيب غيره منه شيئًا ، ( و ما أخطأه ) منها ( لم يكن ليُصيبه ) ، و إن تعرَّضَ له ؛ لأنه بان أنه ليس مقدرًا عليه ، و لا يُصيبه إلا ما قُدِّرَ عليه . و المراد: أن من تَلَبَّسَ بكمال الإيمان ، و وَلَجَ نورُه في قلبه حقيقةً ؛ عَلِمَ أنه قد فُرِغ مما أصابه أو أخطأه من خيرٍ و شرٍّ ، فما أصابَه فإِصابَتُهُ له مُتَحتِّمةٌ ، لا يُتَصوَّر أن يُخطئه ، و ما أخطأَهُ فسلامَتُهُ منه مُتَحتِّمةٌ ؛ لأنَّها سهامٌ صائبةٌ وُجِّهَت في الأَزَل ؛ فلا بد أن تقع مواقعها . اهـ .
ثالثًا: النظر إلى ما حلّ بالعبد على أنّه مصيبة و لكنها أهون من غيرها:
جاء في الحكمة: ( من نظر إلى مصاب غيره هانت عليه مصيبته ) .