فهرس الكتاب

الصفحة 4427 من 27345

كما تقدم معنا أن الابتلاء عام في نزوله على بني البشر ، و هو من سنن الله الكونية التي لا مفر منها ، و لا قبل لأحد نحوها إلا بالرضا و الصبر و التسليم ، الذي أُمرنا به و نُدبنا إليه ، كما في قول ربنا تعالى: ( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ ) [ آل عمران: 186 ] .

و إذا كان ( مثل المؤمن تصيبه الوعكة من البلاء كمثل الحديدة تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها ) ؛ فلن تكون عاقبة الجلد الصبور إلا إلى خير الأمور .

قد روى ابن ماجة و الحاكم و الترمذي ( بإسناد قال عنه: حسن غريب ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي أنه قال: ( أن عِظَم الجزاء مع عظم البلاء ، و إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، و من سخط فله السخط ) .

و روى النسائي و ابن ماجة و ابن حبان و الحاكم و الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله قال: ( ما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض و ما عليه من خطيئة ) ، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح .

و ما أبلغ ما قال الرافعي: ( ما أشبه النكبة بالبيضة ، تُحسب سجنًا لما فيها و هي تحوطه ، و تربيه و تعينه على تمامه ، و ليس عليه إلا الصبر إلى مدة ، و الرضا إلى غاية ، ثم تفقس البيضة ، فيخرج خلقًا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين ، و ما المؤمن في دنياه إلا كالفرخ في بيضته ) .

فطوبى للصابرين ، و العاقبة للمتقين .

المحور الخامس: خاتمة في موقف المسلم من الابتلاء:

يختلف المؤمن في موقفه من المقدور عن سائر البريّات ، فهو يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه ، و ما أخطأه لم يكن ليصيبة ، و هذا ما يحدوه لتسليم أمره ، و زمام قياده إلى ربّه الرؤوف الرحيم ، الذي وعد المؤمنين و المؤمنات بالتثبيت عند الشدائد و الملمّات .

{ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ فِي الآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } [ إبراهيم: 27 ] .

و المؤمن باحتسابه الأجر فيما يلحقه من لأواء ، موعود بجزيل الأجر ، و عظم الجزاء ، و لذلك يتلقاه بتثبيت الله تعالى له ، راضيًا مطمئنًا ، و إن لم يكن يتمناه .

يقول مسروق الوادعي رحمه الله ( إن أهل البلاء في الدنيا إذا لبثوا على بلائهم في الآخرة إن أحدهم ليتمنى أن جلده كان قرض بالمقاريض ( [ من كتاب المحن ، لأبي العرب التميمي ، ص: 283 ] .

و في مقابل المؤمن الثابت كالطود الشامخ أمام نوائب الدهر ، صنف آخر من البشر لا يلوح له البلاء إلا و تنهار قواه ، و يهتز كيانه ، و لا يلبث أن يسقط في ما يعترض سبيله من فتن ، و هذا شأن المنافقين ، و من قالوا آمنّا بألسنتهم و لم يدخل الإيمان في قلوبهم .

فهم كخُشبٍ مسنّدةٍ ، لا حياة فيها و لا إيمان يقويها .

ليس من مات فاستراح بِمَيْتٍ *** إنما المَيْتُ ميِّتُ الأحياء!

إنما المَيْتُ من يعيش كئيبًا *** كاسِفًا بالَهُ قليلَ الرجاء !

وكأن هؤلاء لم يستمعوا إلى قوله تعالى: { وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ } [ العنكبوت: 10 ] .

قال الشيخ العلامة محمد الأمين بن المختار الشنقيطي رحمه الله مفسرًا هذه الآية الكريمة: ( يعني أن من الناس من يقول: آمنا بلسانه فإذا أوذي في الله أي آذاه الكفار إيذائهم للمسلمين جعل فتنة الناس صارفة له عن الدين إلى الردة ، و العياذ بالله ، كعذاب الله فإنَّه صارف رادع عن الكفر و المعاصي ، و معنى فتنةَ الناس ، الأذى الذي يصيبه من الكفار ، و إيذاء الكفار للمؤمنين من أنواع الابتلاء الذي هو الفتنة ) [ أضواء البيان: 6/462 ] .

و لعلّ من المناسب في ختام هذا الكلمات التذكير بقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله ( ما أغبط أحدًا لم يصبه في هذا الأمر بلاء ) [ من كتاب المحن ، لأبي العرب التميمي ، ص: 283 ] .

و آخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

و صلى الله و سلّم و بارك على نبيّه محمّد و آله و صحبه أجمعين

د . أحمد عبد الكريم نجيب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت