فهرس الكتاب

الصفحة 4480 من 27345

وقد اعتبر ابن خلدون الحكومة من المصالح العامة التي فوض الله أمرها إلى الأمة، وهو يرى أن مقصد الشارع أن يكون للمجتمع نظام عادل يصون وحدته ولحمته الداخلية ويحميه من هجمات العدو الأجنبي، لذلك فإن الشرع لم يحدد شكل الحكومة سمعًا؛ أي بالنص. وبما أن أحكام الشريعة الإسلامية هي الأساس في محتوى النظام وضوابط العلاقات الاجتماعية في المجتمع الإسلامي، فإن النظام الذي يحقق غايته ضمن محتوى الشريعة لا يتعارض، كما أكد ابن خلدون، مع الإسلام، فالإمامة أو الخلافة عند ابن خلدون من القضايا المعقولة ولم تثبت تعيينا بنص شرعي. وإذا ما كان نصب الإمام واجبًا شرعيًا بالإجماع، فإن هذا الإجماع حصل بناءً على حاجة عقلية ولم يكن مبنيًا على نص شرعي:"ثم إن نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه وتسليم النظر إليه في أمورهم . وكذا في كل عصر من بعد ذلك . ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار . واستقر ذلك إجماعًا دالًا على وجوب نصب الإمام . وقد ذهب بعض الناس إلى أن مدرك وجوبه العقل وأن الإجماع الذي وقع إنما هو قضاء بحكم العقل فيه قالوا وإنما وجب بالعقل لضرورة الاجتماع للبشر واستحالة حياتهم ووجودهم منفردين ومن ضرورة الاجتماع التنازع لازدحام الأغراض". وحول كيفية نصب الإمام يقرر ابن خلدون أن ذلك"من فروض الكفاية وراجع إلى اختيار أهل العقد والحل فيتعين عليهم نصبه ويجب على الخلق جميعًا طاعته".

ختامًا، على الرغم من أن ابن خلدون يعتبر أول من تناول العلوم الاجتماعية والسياسية بشمولية واسعة ومنهجية دقيقة واضحة؛ وهو أمر يفترض أن يكون فاتحة للمزيد من التأمل والبحث في واقع الأمة المتدهور من سيئ إلى أسوأ، إلا أن الفكر السياسي الإسلامي - في الوقت الذي كان فيه الغرب يشهد بداية نهضته العلمية والفكرية والسياسية - دخل بعده (أي ابن خلدون) حالة جمود وركود، لم يشهد مثلها من قبل، استمرت حتى العصر الحديث، الذي شهد ظهور العديد من الحركات الإسلامية الإصلاحية والتجديدية والصحوية.

الهوامش

ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ص 38.

الجابري، د. محمد عابد، نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، دار الطليعة، بيروت، 1980.

ابن خلدون، المقدمة، مصدر سابق، ص 191.

المصدر السابق، ص 191-192.

المصدر السابق، ص 193.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت