فهرس الكتاب

الصفحة 4596 من 27345

منها: ما تقدم من الاختلاف في العبارة. ومنها: أن لا يتوارد الخلاف على محل واحد. ومنها: اختلاف أقوال الإمام الواحد، بناء على تغير الاجتهاد، والرجوع عما أفتى به أولا. ومنها: أن يقع الاختلاف في العمل لا في الحكم، بأن يكون كل من العملين جائزا، كاختلاف القراء في وجوه القراءات، فإنهم لم يقرءوا بما قرءوا به على إنكار غيره، بل على إجازته والإقرار بصحته، فهذا ليس في الحقيقة باختلاف، فإن المرويات على الصحة لا خلاف فيها، إذ الكل متواتر. وهذه الأنواع السابقة تقع في تفسير القرآن، وفي اختلافهم في شرح السنة، وكذلك في فتاوى الأئمة وكلامهم في مسائل العلم. وهي أنواع - وإن سميت خلافا - إلا أنها ترجع إلى الوفاق" (1) ."

تنبيه الاختلاف الصوري: منه المذموم وهو ماوقع في باطل.

اختلاف حقيقي ومنه اختلاف التضاد وهو قسمان سائغ وغير سائغ ولعله تأتي الإشارة إليهما (2) .

ومن أقسام الاختلاف انقسام الاختلاف باعتبار ما يوجبه فمنه:

اختلاف يقتضي عداوة وشقاقا، ويقع في الاختلاف الحقيقي، كالاختلاف في الأصول المجمع عليها.

اختلاف لايقتضي عداوة وشقاقا، ويقع في عامة الاختلاف الصوري وقد يقع في الاختلاف الحقيقي كالاختلاف في كثير من الفروع باجتهاد سائغ.

ومن أقسام الاختلاف انقسام الاختلاف باعتبار أثره فمنه:

اختلاف مؤثر في الأحكام والأعمال المترتبة.

اختلاف نظري ذهني لاينبني عليه شيء في أرض الواقع.

فالأول اختلاف مؤثر في العمل ومنه السائغ الذي لايضر ومنه غير السائغ، والآخر من قبيل اختلاف السفسطائية هل البيضة قبل الدجاجة أم الدجاجة قبل البيضة! قال شيخ الإسلام:"وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته فان الله نصب على الحق فيه دليلا فمثال ما لا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف وفى البعض الذي ضرب به موسى من البقرة وفى مقدار سفينة نوح وما كان خشبها وفى اسم الغلام الذي قتله الخضر ونحو ذلك فهذه الأمور طريق العلم بها النقل فما كان من هذا منقولا نقلا صحيحا عن النبي [صلى الله عليه وسلم] كاسم صاحب موسى أنه الخضر فهذا معلوم وما لم يكن كذلك بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب كالمنقول عن كعب ووهب ومحمد بن اسحق وغيرهم ممن يأخذ عن أهل الكتاب فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة" (3) وقال:"وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا.." (4) .

من أهم أقسام الاختلاف التي تحتاج إلى تحرير انقسام الاختلاف باعتبار مدح أصحابه وذمهم:

وقد حرر ذلك ابن القيم -رحمه الله- في الصواعق حيث قال:"الاختلاف في كتاب الله نوعان:"

أحدهما: أن يكون المختلفون كلهم مذمومين، وهم الذين اختلفوا بالتأويل وهم الذين نهانا الله سبحانه عن التشبه بهم في قوله: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) [آل عمران:105] ، وهم الذين تسود وجوههم يوم القيامة وهم الذين قال الله تعالى فيهم: (ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد) [البقرة:176] ، فجعل المختلفين كلهم في شقاق بعيد، وهذا النوع هو الذي وصف الله أهله بالبغي وهو الذي يوجب الفرقة والاختلاف وفساد ذات البين ويوقع التحزب والتباين.

والنوع الثاني: اختلاف ينقسم أهله إلى محمود ومذموم، فمن أصاب الحق فهو محمود، ومن أخطأه مع اجتهاده في الوصول إليه فاسم الذم موضوع عنه، وهو محمود في اجتهاده معفو عن خطئه، وإن أخطأه مع تفريطه وعدوانه فهو مذموم.

ومن هذا النوع المنقسم قوله تعالى: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر) [البقرة:253] ، وقال تعالى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) [الشورى:10] .

والاختلاف المذموم كثيرًا ما يكون مع كل فرقة من أهله بعض الحق فلا يقر له خصمه به، بل يجحده إياه بغيًا ومنافسة، فيحمله ذلك على تسليط التأويل الباطل على النصوص التي مع خصمه، وهذا شأن جميع المختلفين بخلاف أهل الحق فإنهم يعلمون الحق من كل من جاء به، فيأخذون حق جميع الطوائف ويردون باطلهم فهؤلاء الذين قال الله فيهم: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) [البقرة:213] ، فأخبر سبحانه أنه هدى عباده لما اختلف فيه المختلفون.

وكان النبي يقول في دعائه: (( اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون إهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) ).

(1) الموسوعة الفقهية 2/292-293.

(2) ينظر كذلك فقه الائتلاف لمحمود الخزندار ص34.

(3) الفتاوى 13/345.

(4) الفتاوى 13/367.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت