فهرس الكتاب

الصفحة 4612 من 27345

... لم تلامس نخوة المعتصم

إذًا فالسر في حياة أولئك هو التوحيد لله ليس التوحيد قولا كلنا نقول لا إله إلا الله ولكنه التوحيد القلبي يوم أن تكون الأفعال والأقوال وحركات القلب وثكناته كلها لله سبحانه وتعالى ،عرف هذا السر أولئك الأخفياء فكانت الدنيا لهم والآخرة دارهم ثم أيضا سبب آخر ومهم جدا عن الحديث عن الأخفياء فيا أخي الحبيب ويا أختي المسلمة إن فقدت الأعمال والأقوال أيا كان نوعها إن فقدت خلوص النية لله جل وعلا انتقلت من أفضل الطاعات إلى أحق المخالفات والعياذ بالله ألم تسمع لذلك الحديث المفزع للقلوب الذي كلما أراد [أبو هريرة] رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن يرويه لنا أو يرويه لأصحابه وقع مغشيا عليه يفعل ذلك ثلاث مرات أو أربعة من هول ذلك الحديث المفزع حديث"أول ثلاث تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ القرآن ، المجاهد ، المتصدق بماله"أفضل الطاعات وأفضل القربات إلى الله جل وعلا يوم صرفت لغير الله أصبحت أحق المخالفات بل أصبحت هي التي تقود أصحابها إلى النار والعياذ بالله وهذا الحديث لما سمعه [معاوية] رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال قد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بعدهم فكيف بمن بعدهم أو فكيف بمن بغي من الناس ثم بكي معاوية رضي الله تعالي عنه وأرضاه بكاءً شديدا يقول الراوي حتى ظننا أنه هالك انظر صحابة رسول الله يغشون على أنفسهم عندما يسمعون هذا الحديث فماذا نقول نحن عن أنفسنا يقول الراوي حتى ظننا أنه هالك ثم أفاق معاوية ومسح وجهه ودمعه بيده رضي الله تعالى عنه وقال صدق الله ورسوله صدق الله ورسوله (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم أعمالهم بها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون) لأنهم فعلوا ذلك ليقال قارئ وليقال متصدق وليقال جريء ولا شيء يحطم الأعمال مثل الرياء ومثل التسميع بأن يقول فلان سمعت وعلمت وفعلت وجئت وذهبت مسمعا للناس بأفعاله عياذا بالله فالتزم رعاك الله التزم التخلص من كل الشوائب التي تشوب هذه النية كحب الظهور أو التفوق على الأقران أو الوصول لأغراض وأعراض من جاه أو مال أو سمعة أو طلب لمحمدة وثناء الناس فإن هذه وأمثالها قاصمة للظهر متي شابت النية .ولذلك النظر لحياة الأخفياء ولأحوالهم ومدارسة أمورهم من أعظم الأسباب للوصول إلى طريق المخلصين جعلني الله وإياك منهم ثم سبب ثالث لأهمية الإخلاص ولخطر الرياء ولرجوع الناس إلى الله جل وعلا ولكثرة أعمال البر والخير والدعوة إلى الله من الرجال والنساء في حد سواء ولإقبال الناس عموما على العبادات وحرصهم على الخيرات والحمد لله مما نراه من الناس في هذه الفترة المتأخرة كان لا بد من طرح هذا الموضوع لئلا تذهب هذه الأعمال وهذه العبادات عليهم سُدَىً من حيث لا يشعرون كان لزاما أن نتحدث في مثل هذا الموضوع وقد كان أهل العلم يحبون أن يتخصص أناس للحديث عن النية وبيانها للناس ولذلك تكلمنا عن هذا الموضوع تذكيرا وتنبيها وتحذيرا لشدة الحاجة إليه، والأخفياء منهج شرعي ولذلك اسمع أيها المحب لقول الحق عز وجل وإن تخفوها ـ الصدقة ـ (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) فهو خير لكم فهذه الآية كما يقول الحافظ [ ابن حجر] رحمه الله تعالى ظاهرة في تفويض صدقة السر وإخفائها ويقول سبحانه ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين) ويقول المصطفي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال"ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما صنعت يمينه"انظر لدقة الخفاء في هذه الصدقة وقد أخرجه [البخاري] و [مسلم] في حديث أبي هريرة وقال أيضا الحافظ ابن حجر وهو من أقوى الأدلة على أفضلية إخفاء الصدقة وفي الحديث نفسه صورة أخري يذكرها صلى الله عليه وآله وسلم"ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه"ثم حديث الرجل الذي تصدق ليلا على سارق وعلى زانية وعلى غني وهو لا يعلم بحالهم والحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ووجه الدلالة من هذا الحديث على أن الأخفياء منهج شرعي أن الصدقة المذكورة وقعت بالليل لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث فأصبحوا يتحدثون بل وقع رواية أو لفظا صريحا كما في مسلم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم على لسان الرجل لأتصدقن الليلة لأتصدقن الليلة فدل ذلك على أن صدقته كانت سرا في الليل إذ لو كانت هذه الصدقة بالجهر نهارا لما خفي عنه حال من؟ حال من؟ حال الغني بخلاف حال الزانية وحال أيضا السارق فالغني ظاهرة حاله فلذلك كانت الصدقة سرًا في الليل وأيضا حديث النافلة صلاة النافلة في البيوت فمن حديث [زيد بن ثابت] رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال"صلوا أيها الناس في بيوتكم صلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"رواه [النسائي] و [ابن خزيمة] في صحيحه وإسناده صحيح وروى [البيهقي] أيضا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت