فهرس الكتاب

الصفحة 4759 من 27345

قال ابن رجب:"أما نفخ الروح فقد روى صريحًا عن الصحابة رضي الله عنهم أنه إنما ينفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر كما دل عليه ظاهر حديث ابن مسعود" (28) .

أ - حكم الإجهاض بعد نفخ الروح:

اتفق الفقهاء على تحريم اسقاط الجنين بعد مرور أربعة أشهر على تكوينه في بطن أمّه ، حيث ينفخ فيه الروح وبذلك يصير نفسًا آدميَّة وإسقاطها قتلٌ بلا خلاف.

ويستوي عند الفقهاء ما إذا كان في بقاء الجنين خطر على الأم أو لا (29) . وذلك أن قتل النفس المحترمة لا يجوز بحال قال تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} (30)

ولا يجوز التضحية بنفس معصومة لإنقاذ نفس أُخرى ، كما لا يحل لمن أصابته مخمصة أن يقتل آدميًّا ويأكله لينقذ نفسه من الهلاك إذ ليست احدى النفسين أولى بالحياة من الأخرى (31) .

لكن اختارت اللجنة العلمية للموسوعة الفقهيَّة التي تصدرها وزارة الأوقاف بالكويت جواز إسقاط الجنين وإن نفخ فيه الروح إذا كان ذلك هو السبيل الوحيد لإنقاذ أمه من هلاك محقق ، وقالت:"الحفاظ على حياة الام إذا كان في بقاء الجنين في بطنها خطر عليها ، أولى بالاعتبار لأنّها الأصل تةوحياتها ثابتة بيقين" (32) .مو مخ 04

وبهذا الاختيار أفتت هيئة كبار العلماء في قرارها رقم 140 في 20/6/1407هـ حيث تضمن:"بعد إكمال أربعة أشهر للحمل لا يحل إسقاطه حتى يقرر جمع من المختصين الموثوقين أن بقاء الجنين في بطن أمّه يسبب موتها وذلك بعد استنفاد كافّة الوسائل لإنقاذ حياته".

ب - حكم الإجهاض قبل نفخ الروح:

اختلف الفقهاء في حكم الإجهاض قبل نفخ الروح على أقوال أشير إليها بإيجاز فيما يلي:

القول الأول: الإباحة مطلقًا ، وقال به بعض الحنفيّة (33) ,وقال به بعض الشافعية (34) والحنابلة (35) فيما قبل الأربعين يومًا فقط .

القول الثاني: الإباحة إذا كان الإجهاض لعذر وهو مذهب الحنفيَّة (36) .

القول الثالث: الكراهة وهو قول عند الحنفيَّة (37) والمالكية (38) والشافعية (39) .

القول الرابع: التحريم وهو مذهب المالكية (40) والاوجه عند الشافعية (41) والمذهب عند الحنابلة (42) .

وعند اعتبار آراء الفقهاء في حكم الإجهاض قبل نفخ الروح يتبين لنا ما يلي:

1-أن الإجهاض قبل نفخ الروح وتمام الأشهر الأربعة الأولى من عمر الجنين يختلف في حكمه وحقيقته عن الإجهاض بعدها .

2-أن الإجهاض في هذه المرحلة لا يعتبر قتلًا لآدمي.

3-أن بعض من منع من الإجهاض نظّرة بإتلاف بيض الصيد في الحرم (43) . (مما يشعر أن ملحظ المنع عندهم أن الإجهاض إتلاف وإفساد لغير ما هو ضار فيشمله التحريم ) ومنهم من علل المنع بأن النطفة بعد استقرارها صارت مهيأة لنفخ الروح (44) .

4-أن للجنين حرمة منذ تكوّنه بدليل أن الشرع جاء بتأخير تنفيذ الحد على الحامل حتى تضع حملها حفاظًا عليه .

وقد صدر في حكم الإجهاض قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية المتضمن ما يلي:

"لا يجوز إسقاط الحمل في مختلف مراحله إلا لمبرر شرعي وفي حدود ضيقة جدًا ، إن كان الحمل في الطور الأول وهي مدة الأربعين وكان في إسقاطه مصلحة شرعيّة أو دفع ضرر متوقع جاز إسقاطه ، أما إسقاطه في هذه المدة خشية المشقّة في تربية أولادٍ أو خوفًا من العجز عن تكاليف معيشتهم أو تعليمهم أو من أجل مستقبلهم أو اكتفاء بما لدى الزوجين من أولاد فغير جائز."

ولا يجوز إسقاط الحمل إن كان علقةً أو مضغة إلا إذا قررت لجنة طبية موثوقة أن استمراره خطر على سلامة أمّه بأن يُخشى عليها الهلاك من استمراره جاز إسقاطه بعد استنفاد كافة الوسائلة لتلافي الأخطار"."

وتضمن المادة 24 من نظام مزاولة مهنة الطب البشري أنه يحظر على الطبيب إجهاض امرأة حامل إلا إذا اقتضت ذلك الضرورة لإنقاذ حياتها ومع ذلك يجوز الإجهاض إذا لم يكن الحمل قد تم أربعة أشهر وثبت أن استمراره يهدد صحة الأم بضرر جسيم .

3-إجهاض الحمل من سفاح:

لم يتعرَّض الفقهاء المتقدمون رحمهم الله لهذه المسألة بخصوصها ولعل ذلك لعدم تفريقهم بين الحمل من سفاح وغيره .

ولا يخلو الحمل من سفاح إما أن يكون برضى الطرفين أو نتيجة اغتصاب.

أ - الحمل من سفاح برضى الطرفين:

وقد ذهب بعض المتأخرين إلى جواز إجهاض الحمل قبل نفخ الروح إذا كان الحمل ناشئًا عن زنًا سواء كان الزنا بالتراضي أولًا.

قال الرملي (45) :"لو كانت النطفة من زنا فقد يتخيّل الجواز فلو تركت حتى نفخ الروح فلا شك في التحريم".

ومنع ذلك بعض الباحثين استدلالًا بقصّة الغامديَّة حينما جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم واعترفت بالزنا وأبلغته بحملها فقال: (( أما لا فاذهبي حتى تلدي ) ) (46) . ووجه الاستدلال أن النبي عليه الصلاة والسلام أخّر إقامة الحد على المرأة وإقامته واجبة حفاظًا على حياة الجنين ومع أن أمه قد وقعت في الزنا المحرم, وعدم استفصال النبي صلى الله عليه وسلم عن عمر الجنين يدل على حرمة إسقاطه مطلقًا (47) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت