فهرس الكتاب

الصفحة 4802 من 27345

واليوم ونحن نرى ما أخبرنا به رسولُنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتحقق ويُشاهد من تداعي الكفار على المسلمين تماما كما تتداعى الأكلة على قصعتها. روى أحمد وأبو داوود، عن ثَوْبَانَ قال: قال رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يُوشِكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعى عَليْكُم كَمَا تَدَاعى الأكَلَةُ إلَى قَصْعَتِهَا، فقالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: بَلْ أنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثُيرٌ، وَلَكِنَّكُم غُثَاءُ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ الله مِنْ صُدُورِ عَدُوكُمْ المَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ الله في قُلُوبِكُم الَوَهْنَ، فقالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ الله وَمَا الْوَهْنُ؟ قالَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ ) ).

حُبٌ للدنيا أشغلنا وعلقنا بها، حتى ألهت وأنست - وهي المنغصُ عيشُها، المُكدرُ نعيمُها، الفانيةُ حياتُها، الغَرورُ متاعُها - عن آخرةٍ خالدين فيها أبدا، إمَّا في جنةٍ لا يزول نعيمُها ولا تنقطع لذتُها، أو نارٍ لا يُقضى على أهلها ولا يُخففُ من عذابها. حُبٌ أضعف النفوس والقلوب، فتركت الجهاد والقتال، واشتغلت بالزرع والمال، وتفرقت واختلفت وتحاسدت، حتى أسلمَ البعضُ البعضَ الآخر للعدو الغاشم، عساه يرضى عنها فيكف بأسه وشره، ويُمْهِلُها قليلًا لتلهو مزيدًا وتلعب.

عدوٌ ظالمٌ كافر، تسلط بسبب ذنوبنا علينا. فالمصيبة تصيبنا من الله بسبب كسبنا وتفريطنا، وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ )) ( الشورى: 30) .

عدوٌ لنْ يرضى عنا أفرادًا ودولًا حتى نتبع ملته وفكره ومنهجه، أو ننسلخ من ديننا ونترك شريعتنا وملتنا. وهذه طامةٌ، القتلُ أهونُ منها، قال تعالى: (( وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ) ) (البقرة: 191) .

الفتنة الكفر بالله، قال ابن جرير في تفسيره: (( وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه فيصير مشركا بالله من بعد إسلامه أشدّ عليه وأضرّ من أن يقتل مقيما على دينه متمسكا عليه محقّا فيه ) ).

استولت الجيوش الكافرة النجسة على كثير من بلاد الإسلام، آخرها أفعانستان والعراق، تحت دعاوى باطلة ودعايات مضللة، يخفون وراءها الغلَ والحقد الذي ملأ قلوبَهم على هذا الدين العظيم. فأسرع إليهم المنافقون، والذين في قلوبهم مرضٌ، مصدقين ومروجين لكذبهم وإفكهم. فصاروا صفا معهم وجندا لهم، وجعلوا من جيوش الكفرة الملحدين مخلصةً للمسلمين، من ظلم الظالمين، وطغيان المتكبرين. فصدَقَ فيهم قول الشاعر:

والمُستَجيرُ بعمروٍ عند كُربتهِ كالمُستجيرِ من الرمضاءِ بالنارِ

فراعني تصديقُ بعضِ المسلمين هذا الإفك المبين والمكر العظيم. فمكرُهم مكرٌ كبيرٌ، تزول من هوله الجبالُ الراسيات. قال تعالى: (( وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) ) (إبراهيم: 46) .

وقال تعالى: (( وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ) ) ( نوح: 22) .

بُطلان هذه الدعوى الكاذبة ظاهرٌ بينٌ للعقلاء والمؤمنين. لأنها تخالف وتناقض ما تدل عليه الآيات المحكمات، والسنن الصحيحات، من عداوة الكفار وبغضهم للمسلمين، وهذا كافٍ للمؤمنين. ثم لأنها تتعارض مع الحقائق والوقائع والآثار والنتائج التي سمعها وشاهدها الناسُ نتيجةً لهذه الحروب. فالمسلم بفطرته الصحيحة، والناسُ باختلاف شعوبهم ودياناتهم، يمجدون ويفتخرون بمن ذبَّ وقاتل، دون بلده وأهله وماله، ويخونون ويحقرون من تعاون مع المحتلين والمعتدين.

ومع ظهور زيف هذه الدعوى، فقد انبرى فريقٌ يتظاهر بالعلم والدين، بالدعوة إلى خِذلان المسلمين، وتسليمِهم لظلمِ وفتنةِ الكفرةِ المُلحدين، فنهوا عن مناصرة المجاهدين، وعن الذبِّ عن حرمات المسلمين، فقالوا لإخوانهم المجاهدين لو أطاعونا ما قتلوا وما ماتوا. وتجاوز آخرون، حتى تعدوا الخذلان إلى مظاهرة الكفار على المسلمين، جهلا منهم وغرورا، فثبطوا المجاهدين، وأرجفوا بصفوف المقاتلين، فحرَّمُوا ما أوجبَهُ الله تعالى من جهاد الكفار، وأوجَبُوا ما حرَّمَهُ الله تعالى من التسليم والانقياد للكفرة والمنافقين المرتدين.

جمعَ هؤلاء المفتونون، لتبرير هذا الفعل القبيح، والجرم العظيم، ما ظنوه دليلا يستترون به من الفسق والظلم والكفر والنفاق. فلبسوا به على الناس بعد أن زخرفوه، وأعانهم على التضليل كثرةُ الدعايةِ والترديدِ والتزيين. فوجد قبولا وتصديقا عند بعض الناس لموافقته للهوى، وداعي السلامة مِن ما يوجبُه الجهادُ من التضحية وبذل النفس والمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت