إنَّ المفهوم البديل، بل المفهوم الحقّ للإعلام الإسلامي هو المفهوم المنهجي، الذي لا يجعل مقاييس إسلامية الإعلام مبنية على أساس الحدود الجغرافية والمكانية، أو الوضعية التاريخية المحدودة، أو الممارسة الواقعية الخاطئة للإعلام في الحياة، بل يبني تلك المقاييس والمعايير على أساس المنطلقات الرئيسة والأطر الفكرية والاجتماعية والإنسانية المنبثقة من روح الإسلام وتصوراته الكلية وقيمه السامية، وعلى أساس الضوابط الشرعية التي ينبغي أن يسير الإعلام على هدي منها، ويلتزم بها في نشاطاته المختلفة وممارساته الواقعية.
إن الإعلام الإسلامي - بهذا المفهوم المنهجي - روح تسري في النشاط الإعلامي كله، تصوغه، وتحركه وتوجهه منذ أن يكون فكرةً إلى أن يغدو عملًا منتجًا متكاملًا، مقروءًا كان أو مسموعًا أو مرئيًا. وبذلك يصبح الإعلام الإسلامي منهجًا قويمًا تسير وفقه جميع النشاطات الإعلامية في كافة الوسائل والقنوات دون أن يحيد نشاط واحد منها عن الطريق، أو يتناقض مع النشاطات الأخرى سواء في الوسيلة الواحدة أو الوسائل المتعددة. وبذلك - أيضًا - يصبح الإعلام الإسلامي حكمًا موضوعيًا تتحاكم إليه جميع هذه النشاطات الإعلامية ثم لا يجد نشاط منها حرجًا في التسليم لحكمه والإذعان لتوجيهه.
وفهم الإعلام الإسلامي بهذه الصورة الشاملة، ينسجم مع الحقيقة الأصلية لهذا الدين، وهي أنه منهج شامل للحياة، وليس منهجًا جزئيًا يعالج جانبًا من جوانب الواقع الإنساني، ويهمل الجوانب الأخرى. وهذا المفهوم للإعلام الإسلامي، يحقق في حياة الأمة الإسلامية على الدوام الاستقرار والتوازن، ويخلصها من آثار الازدواجية والتناقض والصراع التي تعاني منها الأمة، كلما ابتعدت عن منهج الله. والنشاط الإعلامي المعاصر يعاني من هذه الأمراض الخطيرة، حيث تجد الازدواجية والتناقض في الوسيلة الواحدة فضلا عن وجودهما في الوسائل المتعددة، حيث تستمع إلى برنامج ( ديني ) يحث على الفضلة، فيعقبه مباشرة برنامج آخر يغري بالرزيلة، أو أغنية ماجنة تزين السقوط بصورة مشوقة !! وتشاهد في التلفاز برنامج ( دينيا ) يبنى في نفوس المشاهدين معاني الرجولة والصلاح والخير، ثم لا تلبث أن تصدم في الوسيلة نفسها بفيلم مثير، ينقض كل ما بناه البرنامج (الديني ) ويهدمه!! والأنكى من ذلك أن يقدم البرنامج (الديني ) في أسلوب جاف وإخراج رتيب، فلا يجذب المشاهد ولا يجوز على رضاه، بينما يخدم الفيلم غير الديني خدمة فائقة، فيقبل عليه الصغار والكبار، ويتحلق حوله الشباب والشابات في رغبةٍ وحماس!!
ولو نظرنا إلى واقع النشاط الإعلامي والنظم الإعلامية في المجتمعات المختلفة التي لا تدين بالإسلام لوجدنا ذلك النشاط في مجتمع ينبع أصلًا من التصورات العقدية والأيديولوجية للمجتمع، وينطبع بالقيم والتقاليد والظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية السائدة فيه، ولوجدنا أن النظام الإعلامي يخدم أساسًا الغايات والأهداف البعيدة والقريبة التي يسعى المجتمع إلى تحقيقها. فالإعلام في الدول الغربية ( اللبرالية ) العلمانية ينطلق من غايات المذهب ( اللبرالي ) العلماني، وفلسفته، ويروج بطرق مباشرة وغير مباشرة للنمط العلماني الغربي للحياة الذي يفصل الدين عن واقع الحياة، ويجمد الحرية الفردية، ويعلي من قيمة الأنانية، والإنجاز الشخصي، ويعمق روح المادية والاستهلاكية. والإعلام في الدول الشيوعية يصطبغ بفلسفة الأيديولوجية الماركسية، وينطلق من غاياتها، ويروج بطرق مباشرة وغير مباشرة للنمط الإلحادي الماركسي للحياة الذي يصور هذه الحياة بأنها صراع بين الطبقات، ويجعل الحزب ( ديكتاتورا ً) متسلطًا ومهيمنًا على الناس، ويوظف الإعلام ليكون خادمًا للسلطة ومجرد أداة لتحقيق رغبات الحزب وشهواته !!
وللإسلام - دون شك - فلسفته الإعلامية الخاصة به. وفي ضوء هذه الفلسفة المستقاة من المصادر الأصلية للمنهج الإسلامي، تتحدّد معالم النشاط الإعلامي داخل المجتمع الإسلامي وخارجه. ولقد وضع الإسلام أصولًا عامة وقواعد كلية لكافة جوانب العملية الإعلامية. ولكن هذه الأصول والقواعد مبثوثة في المصادر الإسلامية المتمثلة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي اجتهاد فقهاء المسلمين وعلمائهم عبر العصور المتعاقبة. والإعلام اليوم غدًا علمًا منظمًا. ولذلك فإن المسلمين بحاجة ماسة إلى صياغة منظومة إعلامية ذاتية لهم، تحدّد معالم الهدى الإسلامي في النشاط الإعلامي من حيث:
أ - فلسفته الأساسية، وإطاره الفكري العام المبني على التصوّر الإسلامي للكون والحياة والإنسان وغاية الوجود الإنساني.
ب - غايته الكبرى، ومنهجه الأصيل في تحقيق تلك الغاية.
ج - وظائفه العامة والخاصة، ومدى ارتباط هذه الوظائف بالحاجات الواقعية لأفراد المجتمع، ومقدار استجابته للظروف المحيطة بهم.
د - أساليبهُ وطرقه في تقديم المضمون إلى الناس، ومدى مراعاة هذه.