ولهذا يحذر الله عز وجل المؤمنين تحذيرًا حاسمًا ويناديهم بنداء الإيمان قائلًا لهم: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ? [ آل عمران:100] ، إن أعز شيء وأغلى شيء وأعظم شيء لدى المسلم هو إيمانه بربه وخالقه واتباعه لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وهدايته إلى الصراط المستقيم، وإن أخشى ما يخشاه المؤمن أن يفقد هذا الإيمان وأن ينتكس إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه ولهذا فإن المؤمنين الصادقين الذين تذوقوا حلاوة الإيمان يتضرعون إلى ربهم وخالقهم في أن يثبتهم على دينه حتى يلقوه وهو راض عنهم فهم يقولون كما أخبر الله عنهم: ? رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ? [ آل عمران:8] .
ويقولون كما كان رسولهم - صلى الله عليه وسلم - يقول:"يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك".
وإن المؤمن الصادق إذا خُيُِّرَ بين القتل والكفر فإنه يفضل القتل والحرق بالنار ولا يتخلى لحظة واحدة عن دينه كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار".
وعجيب بل وغريب أن يتخلى مسلم عن دينه وكتاب الله بين يديه غضًا طريًا وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محفوظة معلومة وطريقته مرسومة وأعلام الهداية مشروعة مرفوعة ولهذا يقول الله سبحانه: ? وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ...? [آل عمران:8] ، ثم قال: ?... وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ? [ آل عمران:101] .
نعم أيها المؤمنون إنه لا نجاة لنا ولا عزة ولا نصر ولا سعادة ولا عصمة إلا بالتمسك بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فإن الله جعل عصمة هذه الأمة بتمسكها بالكتاب والسنة إن تمسكت بها لا تضل ولا تسقط ولا تشقى ولو كادها أهل الأرض جميعًا وحين تعرض عن كتاب الله وسنة نبيه فإنها تسقط وتذل وتخزى ولو دعمها أهل الأرض أجمعون.
إن اليهود والنصارى هم الأعداء والخصوم الذين يتربصون بنا الدوائر ويكيدون ويمكرون .. يجب أن لا ننسى هذه الحقيقة الثابتة التي قررها الله وأخبرنا بها وحذرنا من نسيانها لأن طاعتهم والتلقي عنهم والأخذ بمناهجهم وطرقهم يفضي بنا إلى الردة والكفر والضلال.
إنه لا مانع من أن نأخذ عنهم ما برعوا فيه من الصناعات والعلوم الحياتية ونتبادل المنافع الدنيوية ، أما العقيدة والشريعة وأما الأخلاق والقيم والآداب وأما التصورات والمبادئ فلا يجوز أن نفرط في دين الله وشرعه قيد أنملة ولا يجوز أن نأخذ عنهم شيئًا من ذلك فإنهم عن الصراط لناكبون وفي الكفر واقعون وعن الآخرة غافلون، قال تعالى: ? ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ? [ الجاثية:18] . وقال: ? وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْك ? [ المائدة:49] .
وحكم الله تعالى على من يطيع الكافرين ولو في شيء يسير بالردة والمروق عن الإسلام كما قال تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ? [محمد:25-26] .
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة رسوله وثبتنا على الصراط المستقيم وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المؤمنين.
الخطبة الثانية:
أيها المؤمنون: إن أمة الإسلام مستهدفة مستضعفة قد تكالب عليها أهل الكفر جميعهم ألا ترون ماذا يصنعون بالمسلمين ، أنظروا ماذا يفعلون بهم في فلسطين، وما فعلوا بهم في البلقان والقوقاز وفي الشيشان وما جاورها وفي كشمير وغيرها، ألا ترون أيها المسلمون إلى الغبن والظلم الواقع على المسلمين كيف يتعامل المجتمع الدولي الكافر ومؤسساته مع قضايا المسلمين ، يتدخلون في أندونيسيا بقواتهم لحماية السكان ، زعموا وقرروا منح تيمور الشرقية الاستقلال ولا يفعلون شيئًا في مناطق أخرى من العالم مثل كشمير وجزر مورو في الفلبين الذين يطالبون بالاستقلال منذ نصف قرن فلا يسمح لهم ولا يستجاب لمطالبهم لأنهم مسلمون.
ألا ترون إلى ما يصنع العسكريون في تركيا من تسلط وإلغاء للديمقراطية وتسلط على الحياة العامة ومحاربة الإسلام وخنق الصوت الإسلامي وتجفيف منابع الدين ثم لا ينكرون عليهم ولا يتكلمون في ذلك.