فهرس الكتاب

الصفحة 5010 من 27345

ولئن اقر النبي ( فعل خبيب وبلال في الصلاة بعد كل وضوء فإنه لم يقر البراء بن عازب على خطئه في الدعاء الذي علمه إياه النبي ( وفيه: { آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت } فقال البراء:"فجعلت استذكرهن: وبرسولك الذي أرسلت"،فقال النبي (: { لا، وبنبيك الذي أرسلت } رواه البخاري ومسلم.

ولم يقر النبي ( عثمان بن مظعون على التبتل وسماه رهبنة، ولم يقر الصحابة الذين سألوا عن عبادةِ النبي ( فلما أخبروا بها، كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي (؟

قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا؛ فأنا أصلي الليل أبدًا،

وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله (فقال: { أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟! أما والله؛ إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي؛ فليس مني } رواه البخاري وقد مر معنا سابقًا.

فمن أين تضمنون إقرار النبي ( لبدعكم وقد مات؟ وقد بلغكم قبل موته أن كل بدعة في الدين مردودة؟) (1) .

وكل هذا يدل على ان ما أحدثه بعض الصحابة من أمور تعبدية أصبح سنة بإقرار الرسول (لا بمجرد فعل الصحابة.

وقد قال عبد الفتاح أبو غده (2) ؛ بعد ذكره لقصة خبيب بن عدي (:

( قال العلامة القسطلاني في"إرشاد الساري"(5/165) :"وإنما صار فعل خبيب سنةً، لأنه فعل ذلك في حياة الشارع ( واستحسنه".

وقال أيضًا (5/261) :"وإنما صار ذلك سنةً، لأنه فعل في حياته ( فاستحسنه و اقره".

وقال أيضًا (6/314) :"واستشكل قوله:"أول من سن"، إذ السنة إنما هي أقوال رسول الله ( وأفعاله وأحواله، وأجيب بأنه فعلهما في حياته ( واستحسنهما"انتهى كلام القسطلاني.

-ثم قال أبو غدة: وواضح من حديث أبي هريرة وقصة قتل خبيب فيه:

"أن لفظ ( السنة) ولفظَ ( سن) معناه: الفعل المشروع المتبوع في الدين، وعلى هذا فلا يصح لمتفقهٍ أن يستدل على سنية صلاة الركعتين عند القتل، بأن الحديث جاء فيه لفظ"سن"، فتكون صلاتهما سنةً مستحبةً، لأن حكم السنية لصلاة ركعتين هنا استفيد من دليلٍ آخر خارج لفظ"سن"بلا ريب وهو إقرار الرسول ( لفعله) (3) ."

الخاتمة وتحتوي على طريق الخلاص من البدع

(بعد أن ظهر جليًا أن { كل بدعة ضلالة } ، فما هو طريق الخلاص من البدع التي هي مفتاح الضلال؟

فالجواب هو ما قاله الرسول الأعظم (: { تركت فيكم أمرين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي } رواه مالك في"الموطأ"والحاكم.

وقال الموفق ابن قدامة في"ذم التأويل" (ص35) بعد أن ذكر أدلةً كثيرةً في لزوم اتباعِ السلف الصالح:"قد ثبت وجوب اتباع السلف رحمة الله عليهم بالكتاب والسنة والإجماع، والعبرة دلت عليه؛ فإن السلف لا يخلوا من أن يكونوا مصيبين أو مخطئين، فإن كانوا مصيبين؛ وجب اتباعهم؛ لأن اتباع الصواب واجبٌ وركوب الخطأ حرامٌ، ولأنهم إذا كانوا مصيبين كانوا على الصراطِ المستقيم ومخالفهم متبعٌ لسبيل الشيطان الهادي إلى صراط الجحيم،وقد أمر الله تعالى باتباع سبيله وصراطه، ونهى عن اتباع ما سواه، فقال: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ]الأنعام:153[."

وإن زعم زاعم أنهم مخطئون؛ كان قادحًا في حق الإسلام كله؛ لأنه إن جاز أن يخطئوا في هذا؛ جاز خطؤهم في غيره من الإِسلام كله، وينبغي أن لا تنقل الأخبار التي نقلوها، ولا تثبت معجزات النبي ( التي رووها، فتبطل الرسالة، وتزول الشريعةُ ‍‍‍‍‍‍‍ولا يجوز لمسلم أن يقول هذا أو يعتقده"."

إذن؛"الطريق الوحيد للخلاص من البدع وآثارها السيئة هو الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقادًا وعِلمًا وعملًا"محوطًا ذلك كله بالاهتداء بهدي السلف وفهمهم ونهجهم وتطبيقهم لهذين الوحيين الشريفين؛ فهم - رحمهم الله - أعظم الناس حبًا وأشدهم اتباعًا، وأكثرهم حرصًا، وأعمقهم علمًا، وأوسعهم درايةً.

بهذا الطريق - وحسب - يتمسك المسلم بدينه مبرءًا من كل شائبة، بعيدًا عن كل محدثةٍ ونائبة.

(1) "موسوعة أهل السنة"للشيخ عبد الرحمن دمشقية (1/329) بتصرف.

(2) هو رجل له مخالفات عديدة متعلقة بالعقيدة والفقه وقد بين شيء من حاله الشيخ الألباني رحمه الله في"كشف النقاب عما في كلمات أبي غدة من الأباطيل والإفتراءات"وفي مقدمته لـ"شرح العقيدة الطحاوية"، وممن بين حاله كذلك الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله في"براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة"وقد كتب الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله مقدمة قوية لكتاب الشيخ بكر أبو زيد، وقد نقلت عنه هنا إقامة للحجة على أتباعه الذين يقعون في كثير من البدع بحجة أن الصحابة أحدثوا أموراُ لما يفعلها الرسول (!!

(3) السنة النبوية وبيان مدلولها الشرعي"لعبدالفتاح أبو غدة (ص16-17) بتصرف يسير."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت