فهرس الكتاب

الصفحة 5086 من 27345

إن البشرية وهي تمر بمنعرج مقولات \\\"موت الإنسان\\\"و\\\"نهاية التاريخ\\\"لفي أمس الحاجة إلى بديل حضاري قابل للدراسة بلغة العصر، وقابل للفهم بمناهجه وأدواته، يستطيع أن يوازن بين حاجات الروح وإبداع العقل ومتطلبات الواقع. وإن الفكر الإسلامي بما يمتلكه من ميراث ومحصول حضاريين هائلين قادر أن يتطور من فكر جماعي ومذهبي وفرقي ضيق نحو فكر يخاطب الإنسانية جمعاء، يتجاوز عقد الخوف من الغرب ومن حداثته، أو عقد التعالي عليه والتحقير من شأنه، نحو إدماج قضاياه ضمن القضايا الرئيسة التي تستلزم ردودًا عميقة. فالخطاب الإسلامي لا يزال يتكبد وقع الصدمة الحضارية التي خلفها الاكتساح الغربي الشامل، التي ألزمته مراوحة ذاته طيلة القرون الثلاث الأخيرة لنهضة الغرب الحديثة.

ثم لا بد أن ندرك أن لا سبيل لخطاب دعوي معاصر فاعل داخل الحدود الجغرافية للغرب أو خارجها لا يستطيع أن يكون حجاجيًا ومجادلًا بالتي هي أحسن، بالمعنى القرآني، إن هو لم يجب عن تحديات الحداثة ولم ينخرط في تساؤلات ما بعد الحداثة. فالجمهور الإسلامي والغربي على حد السواء لا يمكن أن يقنع مستقبلًا بخطاب الطمأنة المتداول بكون الإسلام يمتلك الحل، كل الحل، وأن الحضارة الغربية هي حضارة \\\"المسيح الدجال\\\"، وهي تنذر بعلامات اقتراب الساعة واقتراب أفولها. لقد تأسست جميع مدارس الفكر الأصولي والكلامي والفلسفي والتربوي والعمراني على مناهج المحاججة، التي تفترض صلاحية الفكر الإسلامي للجميع، ولزوم أن يكون خطابه عالميًا مقنعًا، لدى المسلم وغير المسلم، فيكون حينئذ تعبيرًا عن فكر ناقد لمذاهب ونحل العصر، ومقارن لها، ومنافح عن الدين ضد أخطارها.

إن زمن العولمة يفرض أكثر من أي زمن غربي مضى تحديات خطيرة على وحدة هوية الخطاب الإسلامي. فالغرب يدرك أن هوية الخطاب الإسلامي الحضاري المتوازن والإنساني قادر على إحراج مقولات حضارته المنهكة قيميًا. ولم تكن نظرية «هنتنغتون» في ترشيح الإسلام لمواجهة مستقبلية مع الغرب ضمن مستقبل التوازنات الحضارية الدولية، مجرد زلة لسان أو افتراض مجنون، بل هو يعبر به عن مخاوف الغرب الحقيقية في أن يحل «شرق» عالم الإسلام محل «شرق» عالم الشيوعية لإحداث مستقبل المعادلة معه، رغم ما يبدو على عالم المسلمين اليوم من وهن تاريخي كامل.

إن زمن العولمة وهو يبسط نفوذه الكامل على جميع أنظمة وشعوب العالم المستهلك والأقل إنتاجًا، ويشل تدريجيًا من وحدة مرجعياته الثقافية والدينية، إنما يستهدف أساسًا الإسلام؛ لأنه الأقدر على الثبات في وجه تحديات ومحاولات الإذابة والانصهار، وعلى الاستفادة من الضربات، حتى في أقسى تعبيراتها.

فقد يكون الفكر الإسلامي هو المستفيد الأكبر من تحول نمط المجتمع القومي الواحد إلى نمط المجتمع المتعدد الثقافات، باعتبار أن هذا النمط الجديد يتسق تمامًا مع فلسفة الاجتماع الإنساني في الإسلام، وييسر مهمة الدعوة ونشر الرسالة، كما أنه الإطار الأمثل لبلورة التصور الإسلامي الحضاري. ولئن كانت غاية عولمة الاتصال هي تسهيل تنقل الرأسمال المادي وتبادله، فإن نتائجه من جهة الشعوب أفضت إلى مزيد من التقارب وتبادل المعلومات والمعارف بينها. فالرأسمال البشري ينافس الرأسمال المادي في احتكار المعلومة، وهذا يمثل خطرًا كبيرًا على أنظمة العولمة لما نعلمه عن القيمة الاستراتيجية لبنوك المعلومات الدولية التي تحتكرها.

إن فكرة المواجهة بين عولمة الشعوب وعولمة رأس المال إنما تؤكد كذلك مصداقية المقاربة الإسلامية في الإيمان بأولوية أمانة الإنسان الأخلاقية على اعتبار المصلحة المادية ومراعاة مستحقيها والمستفيدين منها. فالقسط بين الناس هو ميزان أخلاقي سماوي، لا غنى عنه في ضبط الحقوق المالية بين الناس.

وكلما اتسع أمام الخطاب الإسلامي المستقبلي أفق الدراسة المقارنة للغرب، اتسع فضاء الثقة بالذات ومستوى القدرة على التعامل مع التراث وإمكانات استشراف غد رائد لأمة الإسلام. فإذا كانت الهجرة الإسلامية المعاصرة قد سبقت الوعي بقيمة «خطاب الهجرة» الضابط لفلسفتها وحكمتها، فإن معركة المواطنة التي تخوضها داخل الغرب تفرض عليها التسلح بالفكر وبعد النظر لانتزاع الحقوق وشرح الأنموذج الإسلامي الجديد، الذي قد تشرق شمسه على العالم كله وعلى عالم الشرق الإسلامي من داخل ديار الغرب.

( [1] ) أخرجه مسلم.

(3) المصدر نفسه، 16.

( [5] ) انظر كتاب \\\"مهجري المعرفة\\\"

( [6] ) أبو الأعلى المودودي، الحكومة الإسلامية، ديوان المطبوعات، الجزائر،1986م، ص311.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت