فهرس الكتاب

الصفحة 5090 من 27345

أن من طبيعة الإنسان العجلة كما جاء في كلام الله عز وجل (خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَل) [الأنبياء:37] . والله تعالى هو الذي خلق الخلق وهو أعلم بهم، لكن هذا لا يعني الاستسلام وعدم التخلص من العجلة؛ فقول الله عز وجل: (إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) [المعارج:19] لا يعني الإقرار لأن نتصف بالهلع.

العامل الثاني: ضغط الواقع

لواقع السيئ يشكل ضغطًا قويًا، فالإنسان الذي يحمل الغيرة في قلبه ويريد التغيير، يتضايق من هذا الواقع وما يراه فيه، وكل يوم يجد أمامه متغيرات وأوضاع سيئة جديدة, فلا يطيق ولا يصبر.

ويزيد من حدة ذلك الخطاب العاطفي السائد، فيبحث الإنسان حينئذ عن حلول قريبة، فإذا حدثته عن مشاريع لها بعدٌ زمني يراها الجيل الذي بعده، فلن يستوعب هذا الكلام بل لا يتلاءم مع الشعور الذي يحترق في داخله.

العامل الثالث: التربية

إن طريقة التربية التي تعودنا عليها وطريقة تفكيرنا هي التي غرست عندنا هذا النمط من النظرة القريبة المتعجلة، فتفكيرنا دائمًا بسيط محدود، والعمق في تفكيرنا غائب سواء على مستوى العمق في الأفكار أو على مستوى العمق في المدى الزمني, ولأجل ذلك ولَّد عندنا هذه النظرة.

يستحيل أن يتخلص الإنسان من العجلة نهائيًا, لكن المؤمل من الناس الذين يتطلعون للإصلاح في المجتمعات أن يعيدوا النظر في مدى تلاؤم نظرتهم للمدى الزمني مع الواقع, وهل هم يعطون مشروعاتهم الإصلاحية المدى الزمني الذي يتلاءم معها أم لا ؟!

لما ذا نحتاج إلى البعد الزمني؟

حين نطالب بأن يأخذ البعد الزمني مداه المناسب في تفكيرنا فإن الذي يدفعنا لذلك أمور عدة، منها:

نصوص القرآن الكريم

يقول الله تبارك وتعالى في سورة الأنبياء: (وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ) [الأنبياء:36] يخبر الله في هذه الآية عن الكفار أنهم كانوا إذا لقوا النبي صلى الله عليه وسلم استهزءوا به وسخروا منه.

ثم يقول الله عز وجل في الآية التي تليها: (خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) [الأنبياء:37] .

فكأن الإنسان يتساءل ما دام أن الكفار يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويسخرون به فلماذا لم يعذبوا؟ ولماذا لم ينزل عليهم العذاب؟

وقال تعالى: (ألم. غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [الروم:1-5] .

فكأن اللحظة قريبة، فاليوم ينتصر الفرس على الروم، وسيغلب الروم فيما بعد، ثم هذه أمارة بنصر المسلمين.

ثم يقول الله عز وجل (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم:7،6]

نصوص السيرة النبوية

وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نلمس هذا واضحًا, بل يبدو في الموطن التي تبعث على اليأس, لقد لقي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة من العذاب ما لا يطاق؛ حتى ذهب يبحث عن موطن لدعوته، فرحل إلى الطائف, وحين رحل إلى الطائف لقي الصدود والإعراض من أهل الطائف ولم يستجيبوا له - وكان يوم الطائف من أشد ما لقي صلى الله عليه وسلم, كما أجاب بذلك عائشة حين سألته. فخرج مهمومًا ولم يستفق إلا وهو بقرن الثعالب - مكان بين مكة والطائف- فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن الله قد سمع ما قال قومك لك, وهذا ملك الجبال فمره بما شئت, فقال: لو شئتَ لأطبقتُ عليهم الأخشبين - جبلين في مكة - فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا, لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله عز وجل" (أخرجه البخاري"3231"ومسلم"1795") .

إن نظرة النبي صلى الله عليه وسلم لم تقف متفائلة مع هذا الجيل فحسب؛ بل إنه ينتظر أن يخرج من أصلاب هؤلاء من يعبد الله عز وجل, وبعبارة أخرى كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر الجيل القادم, مع أنه في موقف يبعث على اليأس.

وفي هجرته صلى الله عليه وسلم - وأخبارها لا تخفى - وكيف خرج صلى الله عليه وسلم واختفى في الغار، فجعل المشركون جائزة عظيمة لمن يأتي بالنبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه حيًا أو ميتًا, فلحقه سراقة بن مالك ثم كان ما كان بينه والنبي صلى الله عليه وسلم من حوار حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ (الإصابة"2/19"، الاستيعاب"2/120") .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت