فهرس الكتاب

الصفحة 5093 من 27345

ونحن لا نعترض عليها بل لابد منها, وغيابها غير صحيح, لكنا نعترض على غياب المشروعات البعيدة الأثر في الأمة .

الأمة اليوم تحتاج إلى عمل إعلامي يتناسب مع الزخم الذي تواجهه.

المنتج الإعلامي - الدعوي - لا يزال محدودًا وضعيفًا وهشًا رغم العمر الطويل للصحوة الإسلامية، ومصدر ذلك ليس غياب الداعية الغيور، ولكن طريقة التفكير التي تريد العمل القريب الذي تلمس آثاره قريبًا، والعمل الإعلامي يحتاج إلى أوقات ومتخصصين وخبرات لا تتاح في الزمن القريب.

مثال آخر: حين تصلي في أحد المساجد في رمضان يغلب أن تجد من يقف عند الأبواب لجمع التبرعات للمشاريع الدعوية, وهذه ظاهرة جيدة وصحية، لكن إلى متى يقتصر تمويل مشاريعنا الدعوية والإصلاحية على تبرعات الناس؟ لماذا لا يكون هناك تفكير في مشروعات استثمارية قوية تخدم الدعوة؟ وهذا لا شك أنه لا يمكن أن يتم بين يوم وليلة، لأنه يحتاج إلى تدريب أناس متخصصين، وبذل جهود كبيرة، ووقت يطول على المتعجلين.

أين نحن من المشاريع الاجتماعية التي تستهدف تغييرًا وإصلاحًا اجتماعيًا؟ بل أين نحن من المشروعات التربوية حيث نعاني اليوم من مستوى تعليم ضعيف متخلف, وكذا نعاني من تربية هشة, وضعف في بناء الأسرة؟ إن ذلك كله لا يمكن أن يتم في زمن يتفق مع مدى تفكيرنا.

ثانيًا: غياب الرؤية البعيدة والنظر العميق للواقع

من نتائج غياب البعد الزمني فقد الرؤية البعيدة، وغياب النظر العميق للواقع، وعدم دراسة المتغيرات التي تحكمه، وهذا يجعلنا دائمًا نقع أمام مفاجآت ولا نتنبأ بالمشكلات التي تحصل في مجتمعاتنا، فضلا عن أن نفكر في الإعداد لها ومواجهتها بطريقة صحيحة.

حينما تدرس ظاهرة السفور, فهل ترى أنها بدأت حين ألقت النسوة المتمردات على شرع الله حجابهن في ميدان التحرير؟ أم أنه تلك الخطوة كانت تتويجا لتغير بدأ ينخر في المجتمع منذ عقود؟

إن هناك تغييرات هائلة تحصل في داخل المجتمع لا نبصرها بنظرتنا القاصرة, وإنما نصطدم أمام المفاجأة فحسب.

كاتب ينشر مقالًا يتهجم فيه على الحجاب, يولد لدينا ردة فعل جامحة، لكن أين نحن من التأثر والتغير البطيء ، ولماذا لا نلتفت إليه؟

وحتى حينما نحلل مشكلة من المشكلات, فإننا ننسبها إلى عوامل قريبة ومحدودة، وننسى الخلفية والأرضية التي هيأت لها.

وحين ننتقل إلى مستوى أعلى من ذلك فإنه يغيب كثيرا عن حديثنا أن ندرس العوامل التي تؤثر في المجتمع، وحركة التغيير فيه.

ومن باب أولى لا يمكن أن نتنبأ بما سيحصل في المستقبل.

ثالثًا:غياب الأولويات

ثمة مشكلة في رعاية الأولويات في حياتنا, فالأمور الملحة تفرض نفسها علينا, فالطالب يشغله البحث حين يقترب موعد تسليمه، ويقل أن يبذل جهدا في وقت مبكر في مادة تصعب عليه.

وصاحب العمل التجاري يقدم الأمور المستعجلة, ويتناسى الأمور البعيدة وإن كانت أعظم أثرًا، فيقدم إنجاز الصفقات العاجلة والعقود لأنها هي التي تلح عليه, أما تدريب العاملين والارتقاء بهم فلا تأخذ إلا حيزا محدودا من اهتمامه، مع أنه قد يكون أكثر أولوية من إنجاز هذه الصفقة أو هذا المشروع.

وقل مثل ذلك في شأن الدعاة والمصلحين، فكثيرا ما تشغلهم الأعمال الطارئة العاجلة عن الأعمال الأكثر تأثيرًا.

فعند غياب الأولويات تصبح الأولوية للأعمال السريعة, خصوصًا أن الأعمال البنائية والإصلاحية لا تظهر آثارها قريبًا, ولا تشكل ضغطًا مباشرًا على صاحبها بخلاف الحدث الذي يزعجنا ونراه في لحظتنا، ولأجل ذلك تختلط عندنا معايير الأولويات.

رابعًا: الاتجاه لأعمال غير منتجة

لو أن إنسانًا يطهو طعامًا يحتاج إلى ساعة كاملة، واستعجل إخراجه قبل أوان نضجه، فلن يهنأ بأكله ناضجًا، وقد لا يستطيع أن يعيده إلى قدره.

وهكذا الأعمال المتسرعة لا تحقق لصاحبها النتيجة، ولو عاد إلى الطريق الصحيح فسيرى أن تسرعه أفسد عليه الكثير.

حين يكتشف الأب لدى ولده مشكلة ما وهذه المشكلة ليست نتاج لحظة حاضرة بل هي نتاج عوامل عديدة، فإن العقوبة القاسية التي يسلكها لحلها قد لا تقف ثمرتها عند فشله في حل المشكلة، بل قد تتجاوز ذلك إلى تزيد المشكلة تعقيدًا.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك اتجاه بعض الشباب الغيورين إلى أعمال العنف، إنه لا يطيق الواقع الذي يراه, فيقول: كيف نصبر والأمة تحكم بالباطل؟ كيف نصبر والمسلمون يهانون ويذلون؟

لا بد أن نغير هذا الواقع, والحل أن نحمل السلاح وسينصرنا الله عز وجل.

ولا شك أن الله ينصر عباده ولكن بأخذ أسباب النصر ومنها عدم الاستعجال كما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه (ولكنكم تستعجلون) .

وهاهي أعمال العنف تجني على الأمة آثارًا وخيمة، بل لا تقف عند ذلك فتؤخر كثيرًا من مشروعات الإصلاح وبرامج التغيير.

خامسًا: التسرع في التقييم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت