هذا التوجيه لتسويغ القول بجواز التأمين التعاوني وحرمة التأمين التجاري تحتاج مناقشته إلى وقفات حتى يتضح لنا وجه قبول هذا التوجيه أو رده:
الوقفة الأولى:فيما يتعلق بدعوى التعاون المحمود في التأمين التعاوني وانتفائه عن التأمين التجاري.
القول بأن التعاون المحمود والمشروع في التأمين التعاوني مقصودٌ عند الدخول من قبل المشتركين قول غير صحيح فليس لواحد من المشتركين فيه قصدُ تعاون بينه وبين إخوانه المشتركين بل إن الغالب لا يعرفهم أو أنه يجهل أكثرهم ، ولكن هذا التعاون تم بغير قصد كالحال بالنسبة للمشتركين في التأمين التجاري ، ولا شك أن التأمين بصفة عامة يحصل منه تعاون غير مقصود من المشتركين فيه كما يحصل ذلك في جميع الأعمال المهنية ومن جميع العاملين فيها . فرغيف الخبر مثلًا لا يصل إلى يد آكله حتى يمر بمجموعة من مراحل إعداده- زراعة وحصادًا وتنقية وطحنا وعجنًا وخبرًا - دون أن يكون لعمال كل مرحة قصدٌ في التعاون مع الآخرين على إعداد هذا الرغيف . فهذا نوع من التعاون فهل هو تعاون مقصود أم هو تعاون تم بحكم بواعثه ونتائجه والحاجة إليه . وهذا يعني أن التأمين بقسميه تم بطريق تعاوني غير مقصود كالحكم في تأمين الحاجات البشرية بين مجموعة من الأفراد على سبيل المراحل التنفيذية من غير قصد تعاون في تحصيلها .
ولا أظن أحدًا يدعي التفريق بين مشترك في التأمين التعاوني ومشترك في التأمين التجاري فيقول: بان المشترك في التأمين التعاوني يقصد التعاون على البر والتقوى محتسبًا الأجر في ذلك عند الله بخلاف المشترك في التأمين التجاري فليس له قصد في التعاون . لا شك أن القول بذلك دعوى موغلةٌ في الوهم وعدم الانفكاك عما يكذبها من حيث الحسُّ والعقل . بهذا يظهر أن وصف التأمين التعاوني بالتعاون المقصود قولٌ لا حقيقة له وأن الصحيح أنه تعاون غير مقصود كالتعاون التجاري فبطل القول بذلك كفرق بين التأمين التجاري والتأمين التعاوني .
الوقفة الثانية:مع القول بأن القسط التأميني في التأمين التعاوني تم تقديمه من قبل المؤمن له على سبيل التبرع.
هذا القول قرين لدعوى التعاون المقصود والذي تبين بطلانُه . فمن خصائص التبرع أن المتبرعَ له حقُّ العدول عن التبرع بكامل ما يتبرع به أو بجزئه فما على المحسنين من سبيل ،كما أن له حقَّ الامتناع عن الاستمرار بما وعد به من تبرع بالأقساط أو بالمشاركة في سد عجز الصندوق . فهل يقبل من المشترك في التأمين التعاوني هذا الحكم على اعتبار أن مشاركته كانت على سبيل التبرع ؟ أم أن امتناعه عن الاستمرار في دفع الأقساط أو الامتناع عن المشاركة في تغطية عجز الصندوق يسقط حقَّه في التعويض وفي المطالبة بما مضى منه دفعه ويعطي القائمين على إدارة التأمين التعاوني حقَّ فسخ العقد معه؟
إن الإجابة على هذا التساؤل من باحثٍ عن الحقيقة يبطل القول بدعوى التبرع ويلزم بالقول بأن المؤمن والمؤمن له تعاقدُ معاوضةٍ توجب الإلزام كالحال بالنسبة للتأمين التجاري ؛ وأن القول بالتبرع بدون أن تثبت له أحكامه ضربٌ من الوهم والخيال.
الوقفة الثالثة:
مع القول بان توزيع الفائض في الصندوق بعد دفع المستحقات عليه يخرج التأمينَ التعاوني من أن يكون طريقًا من طرق المتاجرة وطلب الربح.
وجه الوقوف مع هذا القول من جانبين:
أحدهما: أن طلب الربح والأخذ بأحوال وأنواع التجارة ليس أمرًا محرمًا أو مكروهًا حتى يُعَدَّ ذلك من مسوغات القول بتحريم التأمين التجاري لكونه يستهدف ذلك . والقول بإباحة التأمين التعاوني لانتفاء الربح فالضربُ في الأسواق والسعي في طلب الرزق والربح أمر مشروع.