فهرس الكتاب

الصفحة 5277 من 27345

وفي بيان أضرار مجالسة أصحاب الأهواء وآثارها السيئة على العبد في دينه وتمسكه وخلقه ، يقول أبو قلابة رحمه الله:"لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالاتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون" [6] . وقال إبراهيم النخعي:"لا تجالسوا أهل الأهواء ، فإن مجالسهم تذهب بنور الإيمان من القلوب ، وتسلب محاسن الوجوه ، وتورث البغضة في قلوب المؤمنين" [7] .

وقد كان سلفنا الصالح يتواصون بهذا ، فيحذرون طلابهم وغيرهم من مجالسة أهل الأهواء ، معتمدين في توجيهاتهم على النصوص من الكتاب والسنة ، شفقة على غيرهم ، وحبا لهم ، قال عبد الرحمن بن عمر: ذكر عند عبد الرحمن بن مهدي قوم من أهل البدع واجتهادهم في العبادة فقال: لا يقبل الله إلا ما كان على الأمر والسنة ، ثم قرأ: ] وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [ ( الحديد: 27 ) فلم يقبل ذلك منهم ووبخهم عليه ثم قال: الزم الطريق والسنة ، وسمعت عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - يكره الجلوس إلى أصحاب الرأي وأصحاب الأهواء ، ويكره أن يجالسهم أو يماريهم ، وذكر عنده مرة أصحاب رأي وهوى فقرأ قوله تعالى: ] وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ [ ( المائدة: 77 ) [8] .

معنى الهوى:

الأصل في معنى الهوى ميل النفس إلى ما تهواه ، فإن مالت إلى ما يخالف الشرع والدين فهو الهوى المذموم ، وإن مالت إلى ما يوافق الشرع فهو الممدوح ، وإذا ذكر الهوى مطلقا أو ذكر ذمه فهو الهوى المذموم لأنه الغالب ، والله المستعان ، وهذا المذموم قد يكون شبهة ، وقد يكون شهوة ، وقد ذكر أهل العلم - رحمهم الله - أن فتنة الشبهات أعظم وأشد خطرا من فتنة الشهوات ، لأن الشبهة إذا تواردت على القلب أضعفته ، وحرفته عما يدين الله به أو يعتقده إلى غيره ، وقد لا يقتنع صاحبه بشرع الله ، ولا يسلم لأمره ، ولا يرضى بدينه .

أما فتنته الشهوات فتكون في الأمور المحرمة كالفاحشة وشرب الخمر ، وشهوة جمع المال من غير حله ، فالحلال ما حل في يده من أي سبيل كان ، قال الإمام الشاطبي ، ولذلك سمي أهل البدع أهل الأهواء ، لأنهم اتبعوا أهواءهم واعتمدوا على آرائهم ، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورا فيها من وراء ذلك [9] ، وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع ، ولذلك يسمى أهلها أهل الأهواء ، وكذلك المعاصي إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومحبة ما يحبه [10] .

وبين شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - خطر فتنة الشبهات فقال: واتباع الأهواء في الديانات وأعظم من اتباع الأهواء في الشهوات ، فإن الأول حال الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ، كما قال تعالى: ] فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ[ (القصص: 50) .

ولهذا كان من خرج عن موجب الكتاب والسنة من العلماء والعباد يجعل من أهل الأهواء ، كما كان السلف يسمونهم أهل الأهواء ، وذلك أن كل من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه ، والعلم بالدين لا يكون إلا بهدى الله الذي بعثه به رسوله صلى الله عليه وسلم [11] .

(*) عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض .

(1) رواه أحمد في المسند (4/420) وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح ، مجمع الزوائد (1/188) .

(2) رواه أبو الشيخ والطبراني في الأوسط بسند حسن ينظر: صحيح الجامع الصغير (1/583) .

(3) ينظر الزهد للإمام أحمد (192) .

(4) ينظر: الإبانة لابن بطة (2/438) .

(5) ينظر: الإبانة لابن بطة (1/389) .

(6) ينظر: سنن الدارمي (1/108) .

(7) ينظر: الإبانة لابن بطة (2/439) .

(8) ينظر: حلية الأولياء (10/8) .

(9) ينظر: الاعتصام (2/176) .

(10) ينظر: جامع العلوم والحكم (3/226) .

(11) ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (18/143 - 144) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت