والورع هو الذي يحمي المؤمن من الوقوع في الشبهات ويباعد بينه وبين الحرام , ولذلك نال به المتقون أعلى الدرجات , وارتفعت به منزلتهم عند المؤمنين , ولقد عَدَّه النبي صلى الله عليه وسلم من أعلى أنواع العبادة كما جاء في قوله"يا أبا هريرة كن ورعا تكن أعبد الناس"أخرجه ابن ماجه وقال البوصيري: إسناده حسن (سنن ابن ماجه رقم 4217 , كتاب الزهد)
ولقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم من قارب المشتبهات بالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرعى ماشيته فيه, فما هو داخل الحمى من المرعى ممنوع منه , فإذا قرب من حدود الحمى فإنه لايأمن أن تنفلت منه بعض ماشيته فترعى داخل الحمى , أو يشحَّ الكلأ خارج المرعى ويتكاثر داخله فيغضَّ الطرف عن ماشيته كي تصيب من المرعى داخل الحمى .
وهذا المثل يدل على أن الشبهات من المباح الذي قد يوصل إلى الحرام , كما أن ماحول الحمى مباح ولكن قد يوصل إلى الحمى .
ثم يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا كان ملوك الأرض قد حموا لأنفسهم أجزاء من الأرض لمصالحهم الخاصة , ومع ذلك فقد تعارف الناس على الاعتراف بها ومراعاتها فإن الله عز وجل قد حمى عباده من المحارم أن يقعوا فيها حتى تتم سعادتهم في الدنيا والآخرة ولايبغي بعضهم على بعض, فأولى بمحارم الله جل وعلا أن تراعى وأن يتعارف المسلمين على حمايتها !!
ثم يبين صلى الله عليه وسلم أن جسد الإنسان مكوَّنٌ من أعضاء , وهذه الأعضاء مدفوعة بالغرائز , وأن لهذه الأعضاء حاكما تأتمر بأمره , إن أمرها بخير سارت في طريق الخير , وإن أمرها بشر وقعت فيه, ألا وهو القلب , وهو الذي يعبَّر عنه بالضمير والوجدان .
فالإنسان يرتفع بالعقل عن مرتبة البهيمية ويكون أهلا للخلافة في الأرض , فإن صلَح قلبه صلح جسده كله , بسموه نحو الأهداف العالية وترفُّعه عن الدنايا , وإن فسد قلبه فسد جسده كلُّه بالهبوط نحو الأهداف القريبة والارتكاس في الخطايا .