لكن النموذج السابق يكفي لبيان المعنى المراد، وهو أن المسلم يصلي في شهر رمضان حوالي ألف ركعة، ويمتنع فيه عن أنواع عديدة من المباحات (شهوتي الفرج والبطن) أثناء النهار بما يقارب خمسة عشر يومًا كاملًا بليله ونهاره، ويمكث مع القرآن والذكر ثماني عشرة ساعة، ويبقي في المسجد ما مجموعه ثلاثة أيام ونصف يوم تقريبًا، ويستمع لحوالي ثلث يوم كامل من العلم..
إذن ما يقوم به المسلم عادة في شهر رمضان عمل ضخم وكبير، ويستحق أن تكون له آثار هائلة في حياة صاحبه، تصل إلى درجة إحداث ثورة في حياته. وقد عنون الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي يرحمه الله إحدى مقالاته الشهيرة التي كتبها منذ سبعين سنة كاملة (سنة 1353هـ) باسم"شهر للثورة فلسفة الصيام"..
لكن ما يحدث عادة هو أننا لا نجد أثرًا كبيرًا لهذه الأعمال في حياة صاحبها! فما سبب هذا؟ ما سبب أن يتحول جبل من العمل إلى ركام من الرماد، فلا يترك إلا أثرًا ضئيلًا ينمحي بمرور الأيام والابتعاد عن رمضان؟
أسباب متنوعة
هذه ظاهرة مركبة، ففيها عناصر من ظروف العصر، وعناصر من حال الثقافة الإسلامية عند أصحابها، وأخرى من فهم طبيعة هذا الدين المتكامل، وغير ذلك..
وبسبب هذا التركيب لن نستطيع رد الظاهرة برمتها إلى سبب واحد، بل هناك أسباب عدة، لعل أهمها ما يلي:1- دخولنا في موسم العبادة دون وضوح الهدف الذي نستهدفه من التزامنا فيها بما أُمرنا به من الطاعة وهجر العصيان، ويمكن أن يكون هدفنا هنا ما يأتي:
أ- مجرد إعلان الخضوع والتسليم لله فيما أمر، مع الاستعداد لأن نسحب هذا الأمر على بقية مناحي حياتنا وأيام عمرنا.
ب- بلوغ"المغفرة"من الله تعالى؛ حتى تكون قلوبنا أكثر عافية وقدرة على الاستمرار.
ج- استئناف الطريق إلى الله تعالى، على أن يكون الموسم هو البدء وما بعده استمرار له، لا أن يكون الموسم بدءًا للعودة إلى الله وختامًا لها معًا.
2-العيش مع العبادة في شكلها وهيئتها، دون معايشة لها في روحها وحقيقتها، فالقيام طويل، ولكن الخشوع قليل، والصيام جوع وعطش، ولكن الجوارح تَسْرح حرة حيث شاءت، وقراءة القرآن كثيرة، ولكنها رطانات وسباقات للوصول إلى"الختمة"، وأصوات متداخلة تخطئ القراءة المتدبّرة الواعية.
3-تميُّز أيام المواسم، وكثرة البركة فيها دفعتا الناس في حال السلب إلى الفصل بينها وبين بقية شهور السنة، فانتزعوا الأيام من سياقها الزمني الذي رتبها الله عليه، ونسوا أن تميز هذه الأيام نابع من الخير الذي وضعه الله فيها، ومن الأثر الكبير الذي يمكن أن تتركه في حياة صاحبها طوال العام، وربما طوال العمر.