1-الإيمان العميق بأن لكل إنسان أن يعبر عن ذاته، وأن يدافع عن قناعاته في إطار المبادئ الكبرى المجمع عليها، وإتاحة الفرصة للمرء كي يعبر عن قناعاته ومزاجه... شرط جوهري لنمو الحياة العقلية والروحية، كما أنه مشروط لشعور الطفل بكرامته وإنسانيته.
2-حتى يصبح الحوار أسلوب حياة يجب أن نؤمن بأن الواحد منا مهما بلغ من التحصيل العلمي، ومهما كانت عقليته ممتازة فإنه في نهاية الأمر لا يستطيع أن يصدر إلا عن رؤية جانبية محدودة. وذكاء الجماعة أكبر من ذكاء الفرد. ومن خلال الحوار نستطيع معرفة رأي الجماعات والمجموعات، والاستفادة من أكبر قدر ممكن من الآراء.
3-من المهم -حتى يصبح الحوار أسلوب حياة- أن نوطن أنفسنا لقبول النقد. فقد يوجه التلميذ في المدرسة أثناء الحوار انتقادًا لأسلوب التدريس، أو ينتقد عدم كفاية استخدام المدرس لوسائل الإيضاح. وكذلك يتعرض الأبوان في الأسرة إلى شيء من الاعتراض والمراجعة حول مجمل قراراتهما في إدارة شؤون الأسرة ومعالجة مشكلاتها. وحين نفقد روح التسامح والمرونة الذهنية المطلوبة لذلك فإننا سننظر إلى الحوار على أنه باب لإساءة الأدب من قبل الصغير مع الكبير، وسيكون البديل آنذاك هو التعسف والاستبداد.
حين نحاور الأطفال في البيوت والمدارس، وحين نعتمد أسلوب الحوار في مجالسنا وإداراتنا ومؤسساتنا نحرز عددًا لا بأس به من النجاحات التربوية على الصعيد الفكري وعلى الصعيد العقلي، وأيضًا على الصعيد الاجتماعي.
من خلال الحوار الناجح والموضوعي والمستمر نتمكن من تنمية الحس النقدي لدى الأطفال في البيوت والمدارس. والحقيقة أن ما يتم من مراجعات ومجادلات بين المتحاورين يعد وسيلة مثالية للوصول إلى هذا الغرض.
لا يعني النقد اكتشاف السلبيات فحسب، بل يعني اكتشاف السلبيات واكتشاف مساحات الخير والحق والجمال في الأقوال والمواقف والعلاقات والأشياء.
حين يسمع الأطفال وجهات نظر متباينة ومتعددة في الموضوعات والقضايا المطروحة للنقاش، فإنه تنمو لديهم القدرة على المقارنة، والمقارنة -كما يقولون- هي أم العلوم. ومن خلال نمو المقارنة تتشكل رحابة عقلية جديدة لا يمكن بلوغها عن غير هذه السبيل.
حين ندير حوارتنا على نحو جيد فإننا من خلال الحلول الوسطى والآراء المعدَّلة والملقحة نشيع في حياتنا الرؤى المتدرجة، كما نشيع القابلية العقلية لإدراك ما في الأشياء من نسبية. وأعتقد أن تخفيف الاحتقان والتوتر الاجتماعي وكذلك تخفيف التوتر السائد في علاقاتنا مع المنافسين والخصوم على المستوى الدولي -يتطلب أن نؤسس في نفوس وعقول الصغار والكبار أن الخير في الناس، وكذلك الشر ليس مطلقًا؛ حيث لم يجعل الله -جل ثناؤه- الفضائل حكرًا على أمة أو جيل أو مجتمع، كما أنه لم يجعل الرذائل كذلك. ويتطلب كذلك أن نؤسس في الأذهان أن هناك واجبًا دون واجب وحرامًا دون حرام وأذى دون أذى ونجاحًا دون نجاح وإخفاقًا دون إخفاق... وأعتقد أنه في زمان شديد التعقيد وكثير الغموض بات الأطفال -على نحو أخص- بحاجة إلى تربية تنمي لديهم فقه الموازنات، وهذا الفقه يقوم على عدد من المبادئ المهمة، منها:
-لكل شيء ثمن، وهذا الثمن قد يكون وقتًا، وقد يكون جهدًا، وقد يكون مالًا، وقد يكون سحبًا مما لدى المرء من رصيد الالتزام أو الكرامة أو السمعة...
-من تلك المبادئ أيضًا ضرورة العمل على تحقيق خير الخيرين، ودفع شر الشرين، فقد نفوِّت خيرًا أصغر من أجل الحصول على خير أكبر. وقد ندفع شرًا أكبر بالوقوع في شر أصغر. وقد نحتمل الضرر الأصغر من أجل تحاشي الوقوع في ضرر أكبر.
من خلال الحوار بوصفه صبغة عامة للاتصال والمعايشة نتبادل رسالة عظيمة قائمة على نفسية الرخاء وعقلية السعة، حيث يوقن الجميع أن في إمكان المرء تحقيق ذاته، والوصول إلى أهدافه وبلورة آرائه على الرغم من إتاحته الفرصة للآخرين بأن ينقدوه ويجادلوه، ويعترضوا على بعض ما يقول. وعلى العكس من هذا فإنه حين ينعدم أو يضعف الحوار في مؤسسة أو أسرة أو مدرسة... فإن كل واحد من الذين يعيشون في تلك المحاضن يشعر بالعوز والضيق وقلة الفرص، ويسود اعتقاد بأن تقدُّم فلان ونجاحه لا يتم إلا على حساب الآخرين، كما أن نجاح أي واحد من الأقران والزملاء لا يتم إلا إذا تضرر وتراجع! وهذا بسبب سيطرة فلسفة خفية توحي للناس بأنه ليس في الأرض من الخير ما يكفي لإسعاد الجميع، فتسيطر عقلية الشح حتى في الأفكار والآراء، فالأمور محسومة، فإما أن يكون الحق معي أو معك. وإما أن أكون أنا على الطريق الصحيح، وإما أن تكون أنت، حيث لا يتوفر لدينا طريق ثالث!
أما حين يسود الحوار فسيدرك الناس -ولو بطريقة غير واضحة- أن هناك دائمًا طريقًا ثالثًا وفكرة معدلة، حيث إنه ما احتك مفهوم بمفهوم مناقض إلا أمكن أن يتولد عن هذين المفهومين مفهوم ثالث، هو أرقى منهما لأنه ثمرة لرؤية مشتركة، ونتيجة لتلاقح العقول الفذة.