فهرس الكتاب

الصفحة 5535 من 27345

هذا والملاحظ في جوابه: أنه كان يهدف إلى حمل الحاج على أن لا يقف بحجه عند الاقتصار على فعل الواجب وترك المحرم فقط، بل عليه أن يسارع في الفضائل وينافس في الكمالات حتى يصل بحجه إلى أعلى درجات القبول بعد أن وصل به إلى أكمل صفات البرور، وبهذا يتضح أن ما عرفنا به البرور لا يختلف أبدا مع ما عرفه به الرسول ، ولا مع ما عرفه به صاحبه رضي الله عنه.

وخلاصة القول، إن الحج المبرور هو الحج الذي استكمل سائر مؤهلات القبول من الإخلاص، وحسن الأداء والابتعاد به عن كل ما يخدش في قيمته كحج صادق ملؤه الخير والإحسان، وأن الحاج البار هو ذلك الحاج المطيع الذي لا يعصي، والمحسن الذي لا يسيء في خدمة سيده، والذي جمع إلى الطاعة الكاملة والإحسان العام فعل الخير وإسداء المعروف لوافدي بيت الله فأطعمهم طعامه، وألان لهم كلامه.

وإن حاجًا كهذا قد ارتقى بحسن طاعته، وسما بطيب نفسه، لم يصبح جزاؤه حسنات، ولا محوا لسيئات فقط، لأن ذلك لا يعادل ما أهله الله له من سامي المنزلة، وعظيم الدرجة، فلم يكن له إذا من جزاء يعادل ثوابه إلا الجنة منزل الأبرار، ومقر الأصفياء الأخيار.

الترهيب لمن يترك الحج تهاونًا

روي عن علي بن أبي طالب قوله: ( من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله، ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا ) ، وذلك لأن الله تعالى قال في كتابه: وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ .

وروي عن عمر بن الخطاب قوله: ( لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كانت له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين ) .

وورد عن الرسول: { من لم تحبسه حاجة ظاهرة، أو مرض حابس، ومنع من سلطان جائر ولم يحج فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا } .

وجاء فيما يرويه الرسول عن ربه عز وجل قوله: { إن عبدًا صححت له جسمه ووسعت عليه المعيشة يمضي خمسة أعوام لا يفد إليّ إنه لمحروم } .

فهذه الأحاديث وتلك الآثار تدل على مدى ذنب المتهاون بأداء هذه الفريضة، وأنه بتهاونه وتسويفه قد وقف على شفا هاوية من الجحيم، لأنه لا يؤمن عليه أن ينقلب ذلك التهاون والتسويف إلى استباحة ترك هذه الفريضة، أو احتقارها وعدم المبالاة بها -والله يحول بين المرء وقلبه- فيصبح - والعياذ بالله تعالى- من الكافرين، ولا غرابة فإن هذا ظاهر من قول الرسول وقول صاحبه المتقدم: { فليمت إن شاء يهوديًا أو نصرانيًا } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت