فهرس الكتاب

الصفحة 5582 من 27345

لقد عرف تاريخ هذه القضية تصورات متباينة متناقضة متصارعة، في واقع العالم الإسلامي، وامتدّ التباين حتى برز في داخل الإطار الإسلامي، وتناقضت الشعارات حتى في الميدان الواحد، ونما التباين حتى أصبح كمية هائلة تحتاج وحدها إلى بحث وتمحيص، لا تتسع له هذه الكلمة الموجزة، ونما التباين في التصور حتى تحول إلى صراع مكشوف، أو تنافس مدمّر. وامتدّ التباين في التصور مع الزمن حتى أضعف المواقف والخطوات، وحتى سهل عمليات التنازل وفتح أبواب المساومة، وسهل تطويع بعض النفوس وترويض قطاعات في الأمة.

لا بدّ من توحيد التصور الإيماني في قضية فلسطين ليكون هو التصور الذي يحمله الإعلام كله، ويصوغه الأدب كله، ونُغَذِّي به أطفالنا ونساءنا ورجالنا، ونمدُّ به التاريخ والأجيال، وليكون شاهدًا لنا لا علينا، شاهدًا على صدقنا بين يدي العزيز الجبار، يوم الحساب، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، قلب كانت سلامته في صدقه وإيمانه ووعيه، يحمل التصور الحقّ الأمين، سليم من الأهواء فاستقام تصوره وإيمانه ونهجه، وانجلت أهدافه.

ولقد تسللت القومية إلى قلب الواقع الإسلامي، وتسللت الاشتراكية، وتزاحمت الشعارات بين ديمقراطية وشيوعية ودكتاتورية وحداثية وعلمانيّة، تسللت هذه الأفكار كلها، وكثير غيرها إلى النفوس في مرحلة امتدّ فيها الجهل بمنهاج الله، واضطرب الإيمان والميزان، حتى اختلطت كلها في أعماق الوعي، وانعكست لتكشف نفسها في الكلمة والرأي والموقف. لقد كان ضغط هذا التسلل رهيبًا حتى انزلقت بعض الأقلام فنادت بالاشتراكية والديمقراطية، وخلطتها وعجنتها مع الإقليمية والقومية، وصبغتها بصبغة إسلامية، وطرحتها في واقعنا السياسي وقضايانا الأساسية، وقضية فلسطين بصورة خاصة.

فمن حيث الشعارات قد يلتقي الكثيرون على أنَّ فلسطين أرض مسلمة، وأنَّ الحل الصادق هو الحل الإسلامي، وتهييج العواطف كلّها، وتثور النفوس تأييدًا للحلّ الإسلامي ! وهذا حقّ، ولكن ما هو الحلّ الإسلامي، ما هو نهجه ؟ ما هي خطواته ومراحله ؟! وما هي المسؤوليات والواجبات التي تنشأ عنه والمواقف التي تتحدد بها ؟! وما هي حجتنا في ذلك ؟! وكيف يخاطبنا العالم بها؟! لقد كان من أوضح آثار تسلل المناهج الغربية والشرقية إلى عقولنا وأفئدتنا هو غياب الحسم والمفاصلة، حيث يفرض الإسلام الحسم والمفاصلة، والحسم المفاصلة لا تعني الحرب والقتال دائمًا، ولا تعني الارتماء بالأحضان وتشابك الأيدي، ولكن تعني استقلال النهج والممارسة، ووضوح الأهداف، والتقاء الدرب مع الأهداف، التقاء تطمئن النفوس إليه، حتى ترى أنَّ الدرب يوصل إلى الأهداف حقًّا. وكان من أثر هذا أن اختلطت المواقف في تاريخ الأمة بين مواقف قومية وإقليمية، واشتراكية وديمقراطية تنسلّ في واقعنا تحت شعارات وطنية إسلامية.

من حيث الشعارات قد يلتقي الكثيرون على أنَّ فلسطين أرض مسلمة، ولكن ما هو إسلامها ؟! متى بدأ إسلامها ؟! كيف ارتبطت به ؟! وكيف تتحدد به المسؤوليات والمواقف، والنهج والأهداف ؟! ومدى التزام واقعنا اليوم بذلك كله؟! وإذا لم يصدق الالتزام في واقعنا اليوم بالنهج المفصل والأهداف، أو إذا لم يتوافر النهج المفصل فأين الخلل ؟! من نحن ؟! وعلى أيّ أساس نطالب بفلسطين؟! لا بدّ من الإجابة على هذه الأسئلة بوضوح، فعليها وعلى الإجابة تتحدد المواقف والمسؤوليات، وتلتقي الشعارات والنهج والأهداف في مسيرة مستقيمة واحدة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت