ولا نكاد الآن نرى اليقظة الكاملة لدى هذين الصنفين حتى لا يتركوا مجالًا لأي عامل من عوامل الهدم تتسرب إلى العجب فعجب تسرب كتب التبشير المسيحي إلى أرض القداسات ومهبط الوحي ومنبع الرسالة المحمدية. ولكن ألم يعلم هؤلاء العلماء المبشرون أن خاتم النبيين قال:"لقد أيس الشيطان أن يعبد في هذه الأرض"، كما قلت سابقًا أن غفلة الحكام والعلماء هي التي تركت مجالًا لهؤلاء الحاقدين على ديننا ليقوموا بمحاولات المكر والدعوة إلى المسيحية التي أدخل عليها التحريف حتى أصبحت إلى الوثنية أقرب منها إلى الديانة السماوية، فهناك عامل آخر بما يجعل الشباب يميل بعض الميل وينحرف أو على الأقل يرمى في حمأة الريب والشك، هذا العام هو جهل هؤلاء الشباب بدينهم، لا يكاد يعرفهم الكثير منهم عن هذا الدين إلا أنه دين آبائهم الذي وجد وعاش بفطرته عليه وهذا النوع من الشباب لا يوجد لديه المنعة الكاملة لدفع الأباطيل والشبهات ورمي كل فرية تناقض هذا الدين في وجه صاحبها، ومجرد كلمات أو مقال نحاول فيه الرد على مزاعم المبشرين ونضيء به الطريق للشباب ليهتدوا به إلى الحق قد لا ينفع هؤلاء البعيدين عن الجو الإسلامي والروح الدينية السامية لذا فإني أهيب بشبابنا أن يكونوا أوعية صالحة تنهل من فيض التراث الإسلامي الخالد الذي ملأ آفاق الدنيا وأن لا يوجد في أفئدتهم مكان للكتب التي تدعو إلى محاربة الدين أو إلى المجون والخلاعة حتى ترتفع عقولهم وتسمو عقائدهم عن الشبهات وتصفو نفوسهم وضمائرهم بالحق.
والآن سوف ألقي ملامح يسيره عند الديانة المسيحية: لا شك أن الديانات السماوية كلها ديانة واحدة تدعو إلى شيء واحد هو عبادة الإله الواحد الذي لا شريك له المنزه عن التجسيم والتعدد، والمسيح عليه السلام لم يدع الناس إلى غير هذا وإذا كان المسيحيون اليوم يضفون عليه صفة الأولوهية والنبوة لله ـ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرًا ـ فهذه هي عين الوثنية والشرك التي جاء عيسى ومن قبله ومن بعده من الأنبياء لينقذوا الناس منها.
وانظر إلى ما يقوله أحد المسيحيين المعاصرين ممن عرف الحق ودافع عنه (لا يدع القرآن شائبة من ريب في مسألة وحدانية الله فجاء في سورة الإخلاص ? قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد ٌاللَّهُ الصَّمَدُ مْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ? [الإخلاص: 1- 4] . وفي ذلك نقض لعقائد الشرك وتصحيح لعقائد أهل الكتاب أيضًا.
فقد صار أتباع المسيح إلى القول بألوهيته، وأنه ابن الله، وأن الإله الواحد جوهر واحد له ثلاثة أقانيم هي الله الأب، والله الابن -وهو المسيح-، وروح القدس، وشبهوا ذلك السر الإيماني المسيحي بالشمس، وكيف أنها حقيقة واحدة، تقع على الحواس قرصًا ونورًا وحرارة -جل ربنا عن التشبيه والتمثيل والتجسيم والتعدد وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا- ولم يرد على لسان المسيح في أقواله الواردة في بشارات حوارييه (الأناجيل) إشارة إلى شيء من ذلك بل كان يدعو نفسه على الدوام بـ"ابن الإنسان"وأما البنوة لله عز وجل فما ورد لها ذكر إلا على سبيل المجاز المطلق، وبمعنى يشمل البشر كافة حين أوصى أن تكون صلاة الناس إلى الله بادئة بقوله"يا أبانا الذي في السماء".
وحين طالب أتباعه وجميع الناس أن يسلكوا طريق البر كي يكونوا جديرين بنسبتهم إلى الله، فالمسيح رفع خصوصية البر عن اليهود الذين قالوا"إن أبناء إبراهيم وحدهم هن الناجون الظافرون برضوان الله".
لأن الناس كافة أبناء الله ما سلكوا طريق البر، وأحبوا الله وأحبوا إخوانهم في الله حتى أعداءهم.
بل إن المسيح وعظ الناس فضرب لهم المثل في رعاية الله وعنايته بما ينتجه من الرزق لطيور السماء ووحش الفلاة، وما ينتجه من الزينة لزنابق الحقل، فلا ينبغي أن يكون حرصهم كله على مال الدنيا وقوتها وجاهها وزخرفها.
وما أقرب هذا أن يجعل رعاية الأبوة مطلقة شاملة لجميع الكائنات، وما أبعد هذا أن يكون ذلك"السر"أو"اللغز"المعقد الذي اختلفت فيه أقوال المفسرين من أساطين اليهود وعلماء اللاهوت.
وقد أدى هذا اللبس إلى فتنة، بل فتنة بين صفوف أتباع المسيح والمنتسبين إليه، وجمعت المجامع، ووقعت المذابح، وصار الإيمان سبيلًا إلى اللدد والفرقة لا إلى الألفة والاجتماع على عقيدة يطمئن الجميع إليها. وناهيك بعقيدة لبابها المحبة حتى للأعداء.. تكون مثار ذلك كله.
وناهيك بعقول السواد ممن غيرت لهم في الوثنية جذور عقلية وحسية منذ ألوف السنين، كيف لا تنزلق إلى الشرق من باب هذا"السر"الذي يجعل الواحد الفرد ثلاثة أقانيم.
لابد من رد الناس إلى بساطة الاعتقاد، ولابد من نفي اللبس وشوائب الريب عن جوهر هذه العقيدة، وهو التوحيد مطلق التوحيد.