فهرس الكتاب

الصفحة 5610 من 27345

ولست أرى وجهًا للإطلاقات التي توهم التكفير من جنس أن يُقال: فلان ليس له في الإسلام نصيب، أو الدين بريء منه، أو هو لا يعرف الإسلام، .. حتى لو كان القائل متأوّلًا لا يقصد التكفير؛ لأن ضرورة المعالجة تقتضي عدم استعمال اللفظ الموهم الذي يحتمل أن يكون قائله أراد الحكم بالتكفير، وفي أوقات النزاع والتصارع تتعاظم الحاجة إلى إحكام العبارات وضبطها.

وهذه الألفاظ تجري على ألسنة الإعلاميين أو السياسيين أو بعض طلبة العلم بدافع الغضب والاستنكار لموقف فكري منحرف أو ممارسة ميدانية مرفوضة.

وإنما تبين قدرة الإنسان على التحكم في نفسه والتزام القيم التي يدعو إليها عند الانفعال والغضب والاختلاف.

وتكون المعالجة أيضًا بإشاعة معاني الاعتدال والهدوء في دوائر المجتمع الأسرية والإعلامية والتعليمية والسياسية.

والذين يسعون إلى توتير الأجواء في المجتمعات الإسلامية هم يعملون على صناعة مناخ يؤهل للتطرّف؛ لأن المرء المأزوم بمعاناة واقعية يصعب عليه أن يكون معتدلًا، وحتى لو كان مقتنعًا بضرورة الاعتدال، فإن معاناته وآلامه الشخصية أو العامة تؤثر على فكره وتصوره، وتجعله يفهم الاعتدال بطريقة مختلفة.

ولهذا صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"ما حسدَتْكم اليهود على شيء ما حسَدَتْكم على التأمين والسلام".

وهنا سرّ عجيب جدًا.

فالتأمين يعني قول (آمين) بعد الفاتحة، حيث الدعاء بالوسطيّة بين الإفراط والتفريط (اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين) .

فالمغضوب عليهم أهل تفريط وضياع، والضالّون أهل تشدّد وإفراط واعتساف، والطريق المستقيم بينهما.

فهم يحسدوننا إذًا على الاعتدال.

هذا معنى.

والمعنى الثاني أنهم يحسدوننا على السلام، والسلام التحية، لكن ليس حسدهم على اللفظ المجرد فحسب، بل على إشاعة معنى السلام والاستقرار النفسي والاجتماعي في المجتمع، وهم يسعون في الأرض فسادًا، ويعملون على زعزعة الأمن والاستقرار حيثما قدروا.

ولست أريد أن أقول هنا: إنهم هم المسؤولون بالضرورة عن أي فوضى تقع في مجتمع مسلم، بل قد يكون لهم يد ظاهرة أو خفيّة، وأفراد المجتمع وتشكيلاته الفكرية أو المذهبية أو القبلية هي الفاعل الأول.

إن نشر السلام بمعناه اللفظي، وممارسته سلوكًا بيننا داخل الأسرة الصغيرة (البيت) ، أو الوسطى (المؤسسة) ، أو الكبرى (الدولة) ، هو أفضل ما يمكن أن نعمله لإيجاد المحضن الفطريّ للاعتدال، وإقصاء مفاهيم التطرف وممارساته.

والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت