هذا تأدب مع الله، لما بين عقيدة أهل السنة والجماعة، سأل الله أن يثبته عليها، فلا يكفي أن الإنسان يعرف العقيدة، فالعالم يَزَلُّ ويخطئ، فلا يغتر الإنسان بعلمه، ولا يأمن الفتن، فهل علمه يعادل علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ وقد دعاء الله فقال: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام* رب أنهن أضللن كثيرًا من الناس) [النساء:35،36] .
فالإنسان يسأل الله السلامة والعافية، فكم من عالم زل وانحرف عن الدين، وكم وكم.. فالأعمال بالخواتيم.
(221) ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة:
ما أضل الناس إلا الأهواء، قال تعالى: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله) [القصص:50] ، وقال سبحانه: (أفرءيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) [الجاثية:23] فالإنسان يسأل الله السلامة من الهوى، وأن يهديه الحق، وإن خالف هواه، وقال الله عز وجل في اليهود: (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقًا كذبتم وفريقًا تقتلون) [البقرة:87] ، فالهوى خطير جدًا.
(222) والمذاهب الردية:
وهي الفرق التي أخبر عنها عليه الصلاة والسلام بقوله:"ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار…." ( ) الحديث؛ لأنها خارجه عن الحق، إلا من سار على مثل ما سار عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه، فإنهم ناجون من النار، ولذلك سموا بالفرقة الناجية.
والمذاهب بمعنى الآراء.
(223) مثل المشبهة:
هم الذين شبهوا صفات الله بصفات المخلوقين.
(224) والمعتزلة:
هم الذين عطلوا صفات الله ونفوها، بحجة أنهم ينزهون الله، فغلوا في التنزيه، وهم أتباع واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وكانا من تلاميذ الحسن البصري، وكانوا يحضرون في حلقته، فسئل الحسن البصري عن صاحب الكبيرة، فأجاب بما يوافق الكتاب والسنة، وقال: هو تحت المشيئة، ولا يكفر بالكبيرة، وهو ناقص الإيمان، فعند ذلك أنكر عليه واصل وقال له: هو في منزلة بين المنزلتين، ليس بكافر ولا مسلم. فاخترع هذا المذهب الباطل، واعتزل مجلس الحسن، واجتمع حوله الناس الذين هم من جنسه، فكونوا جماعة سُمُّو بالمعتزلة.
(225) والجهمية والجبرية:
وهم أتباع الجهم بن صفوان ( ) الترمذي، تبنّى مذهب شيخه الجعد بن درهم ( ) ، وهذا أخذه عن طالوت اليهودي، الذي أخذه عن لبيد بن الأعصم الذي سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا المذهب هو القول بخلق القرآن، ومن أقوالهم: الجبر؛ أن الإنسان مجبور على أعماله وغيرها، ولذلك نُسبوا إلى الجهم، وسموا بالجهمية، فالجهم أخذه من الجعد الذي كان في أواخر دولة بني أمية، وقتله خالد بن عبد الله القسري، كان خالد يخطب في عيد الأضحى، فقال: ضحوا أيها الناس، تقبل الله ضحاياكم، فإني مُضحٍّ بالجعد بن درهم، فإنّه يزعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلًا. فنزل من على المنبر فذبحه؛ لأنه زنديق، فقتله واجب، وشكر ذلك أهل السنة والجماعة، ولذلك قال ابن القيم في النونية:
ولأجل ذا ضحى بجعدٍ خالدُ الـ قسري يوم ذبائح القربان
لقد شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان
فخلفه الجهم، فنُسب المذهب إليه؛ لأنه هو الذي أظهره، فجمع بين الجبر والتجهم.
ولهذا يقول الشاعر:
عجبت لشيطان دعا الناس جهرة إلى النار واشتق اسمه من جهنم
(226) والقدرية:
مثل نفاه القدر، وهم المعتزلة، يقولون: أفعالُ العباد خلقهم، وليست داخلةً في خلق الله ولا إرادته، ولذلك سُمُّوا بمجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس أثبتوا خالقين: خالق للخير، وخالق للشر، أما القدرية فأثبتوا خالقين متعددين مع الله.
(227) وغيرهم، من الذين خالفوا السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة:
من الذين خالفوا الكتاب والسنة من سائر الفرق الضالة.
(228) ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأرديا. وبالله العصمة والتوفيق:
فنحن نبرأ منهم، ونعاديهم في الله، ونبغضهم؛ لأنهم أهل ضلال وباطل، فالواجب هجرهم وبغضهم، والرد عليهم وعلى باطلهم.
فنحن نتبرأ ممن يقول: إن كل الفرق تحت اسم الإسلام، ويجب أن نتغاضى عن هذه الأمور، أخذًا بحرية الكلمة وحرية الرأي، فالفرق كلها تدخل تحت الإسلام. وهذا مذهب باطل وخطير على الأمة، وحرية الكلمة والرأي مقيدة بالكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة. والفرق المخالفة كلها في النار إلا الفرقة التي على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
والإنسان عُرضة للخطأ، العصمة والتوفيق والحول والقوة بيد الله، فالإنسان لا يضمن لنفسه النجاة، إنما يرجو الله ويخافه.
وبهذا انتهت هذه النبذة المباركة، المشتملة على جُمَل عظيمة من اعتقاد أهل السنة والجماعة، فنسأل الله أن ينفعنا بها، وأن يجزل لمؤلفها جزيل الثواب على ما بيّن، وعلى ما وضح وعلى ما كتب، وعلى ما نصح للأمة، فجزاه الله خيرًا وسائر أئمة المسلمين.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.