إنما ينبغي أن نراجع كثيرًا من مناهجنا التربوية، وأن نراجع الأساليب والوسائل التي نستخدمها في بيوتنا وفي مدارسنا ومؤسساتنا التربوية، وكل عمل تربوي نرسمه فهو جهد بشري لا يستغني عن المراجعة والتصحيح، وحين نرفض المراجعة فإن هذا يعني أن نبقى على ما نحن عليه من أخطاء ونبقى على ما نحن عليه من زلاّت وهفوات .
رابعًا:عدم الاستجابة لردود الأفعال
إن غالب حالات الخلل الذي ينشأ في رعاية هذا الجانب إنما هي ردة فعل واستجابة لأفعال تولد الانحراف.
ففي المعتقد: المرجئة الذين قالوا لا يضر مع الإيمان ذنب , إنما قالوا قولهم هذا ردة فعل لأولئك الخوارج الذين غلوا فكفّروا مرتكب الكبيرة، فجاء أولئك وغلوا في هذا الجانب، وأولئك النواصب الذين ناصبوا آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم العداء إنما جاء موقفهم ردة فعل لانحراف الرافضة الذين يسبون أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، والذين شبهوا الله - سبحانه وتعالى - بخلقه، إنما انطلقوا من ردة فعل لأولئك الذين نفوا صفات الله - عز وجل -.
وقل مثل ذلك في المدارس الفقهية والتربوية.
وحينما يكتشف الإنسان في تربيته لنفسه أنه قد وقع في خطأ فركّز في جانب على حساب آخر، فإنه غالبًا ما يجنح إلى ردة الفعل فيغلو الطرف المقابل؛ إنه قد يرى غيره ممن يعتني بالعبادة على حساب طلب العلم الشرعي وعلى حساب الدعوة، فيرى أن هذا خطأ، فيعالج هذا الخطأ بخطأٍ آخر؛ فيهمل جانب العبادة ويهمل التقرب إلى الله تعالى، ويعيش قاسي القلب ليس له حظ من عبادة الله - سبحانه وتعالى -.
وقل مثل ذلك في سائر الجوانب، فينبغي أن نحذر ونحن نعالج أخطاءنا من ردود الأفعال، وأن نحذر أيضا ونحن نعالج أخطاء الآخرين من ردود الأفعال، وأن تكون مواقفنا متزنة.
تنبيهات أخيرة
الأول
إننا حين ندعو إلى التوازن في التربية، فندعو الشاب إلى أن تكون له صلة بالله - عز وجل - والعبادة ونصيب من العلم الشرعي، ونصيب من الدعوة إلى الله تعالى، وإنكار المنكرات ونصيب من أبواب الخير، فإن التوازن ليس مرادفًا للتساوي والتعادل، فهذا لا يعني أن يحمل من كل شيء قدرًا متساويًا، فإن الناس طاقات ومواهب وقدرات، ثم إن الأمة الإسلامية تحتاج أبوابًا كثيرة قد تؤدي إلى أن يربى بعض الناس على جانب، وأن يعنى بعض الناس بجانب ويتأخرون في جانب آخر.
وحين ندعو إلى التوازن فإننا لا ندعو بالضرورة أن تكون النسب متساوية ومتعادلة، إنما التوازن يعني على سبيل المثال أن لا تكون عبادة الإنسان على حساب عنايته بالعلم الشرعي، وأن لا يكون طلبه للعلم على حساب عنايته لصلاح قلبه، أوعلى حساب دعوته، وقل مثل ذلك في باقي الجوانب .
الثاني
الدعوة إلى التكامل والتوازن لا تعني إهمال التخصص؛ فالناس خلقهم الله - عز وجل - متفاوتين في عقولهم وقدراتهم، كما قال الإمام مالك - رحمه الله -:"رب رجل فتح له في الصيام ولم يفتح له في الذكر، ورب رجل فُتح له في العلم ولم يفتح له في الجهاد، وما أظن أن ما أنا عليه دون ما أنت عليه وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر"قال هذا - رحمه الله - لذاك الرجل الذي أنكر عليه العناية بالعلم وقلة التفرغ للعبادة، فلابد من التخصص ولا بد من أن يعنى فلان بجانب من الجوانب، وقد يكون على حساب غيره، ولكن هذا التخصص ينبغي أن يكون بقدر لا يخرج المرء عن القدر المشترك الذي ينبغي أن يكون عند الناس جميعا.
إذن فالتكامل والتوازن لا يعني إهمال التخصص ولا يعني إهمال القدرات الشخصية التي قد يفوق فيها فلان من الناس عن غيره، ولا يعني أن تكون الأمور كلها بنسبٍ متعادلة.
لكن الذي اشتغل بالعلم والتعلم -على سبيل المثال - وصرف فيه نفيس وقته، وهو على خير و لا يليق به أن يهمل جانب العبادة وحقه منها إهمالًا واسعًا بحيث يؤدي به إلى قسوة القلب، وأن يكون بعيدًا عن ما ينبغي أن يكون عليه سمت أهل العلم، وقل مثل ذلك فيمن يدعو إلى الله ويحتسب في إنكار المنكرات العامة،، هذا ما أردت الحديث عنه حول هذه القضية التربوية حول قضية التكامل والتوازن، أسأل الله - عز وجل - أن يجعل فيما قلت الخير والبركة، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، إنه سميع قريب مجيب .