فالواجب على كل ذي لب أن ينظر فيما خلق له ، وأن يحاسب نفسه ويجاهدها لله حتى يؤدي حقه وحق عباده ، وحتى يحذر ما نهاه الله عنه ليفوز بالسعادة والعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة ، وهذا العلم هو أنفع العلوم وأهمها وأفضلها وأعظمها ، لأنه أساس الملة وزبدة ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وخلاصة دعوتهم ، ولا يتم ذلك ولا يحصل به النجاة إلا بعد أن يضاف إليه الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام ، وعلى رأسهم إمامهم وسيدهم وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ومقتضى هذا الإيمان ، تصديقه صلى الله عليه وسلم في إخباره وطاعة أوامره وترك نواهيه ، وأن لا يعبد الله سبحانه إلا بالشريعة التي جاء بها عليه الصلاة والسلام . وهكذا كل أمة بعث الله إليها رسولا ، لا يصح إسلامها ولا يتم إيمانها ولا تحصل لها السعادة والنجاة إلا بتوحيدها لله ، وإخلاص العبادة له عز وجل ، ومتابعة رسولها صلى الله عليه وسلم ، وعدم الخروج عن شريعته ، وهذا هو الإسلام الذي رضيه الله لعباده ، وأخبر أنه هو دينه ، كما في قوله عز وجل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا وقوله عز وجل: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وبهذا يتضح لذوي البصائر أن أصل دين الإسلام وقاعدته أمران:
أحدهما: أن لا يعبد إلا الله وحده ، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله .
الثاني: أن لا يعبد إلا بشريعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .
فالأول يبطل جميع الآلهة المعبودة من دون الله ، ويعلم به أن المعبود بحق هو الله وحده ، والثاني يبطل التعبد بالآراء والبدع التي ما أنزل الله بها من سلطان ، كما يتضح به بطلان تحكيم القوانين الوضعية والآراء البشرية ويعلم به أن الواجب هو تحكيم شريعة الله في كل شيء ، ولا يكون العبد مسلما إلا بالأمرين جميعا ، كما قال الله عز وجل: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقال سبحانه: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وقال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وقال عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
وهذه الآيات تتضمن غاية التحذير والتنفير من الحكم بغير ما أنزل الله ، وترشد الأمة حكومة وشعبها إلى أن الواجب على الجميع هو الحكم بما أنزل الله والخضوع له والرضا به ، والحذر مما يخالفه ، كما تدل أوضح دلالة على أن حكم الله سبحانه هو أحسن الأحكام وأعدلها ، وأن الحكم بغيره كفر وظلم وفسق وأنه هو حكم الجاهلية الذي جاء شرع الله بإبطاله والنهي عنه ، ولا صلاح للمجتمعات ولا سعادة لها ولا أمن ولا استقرار إلا بأن يحكم قادتها شريعة الله ، وينفذوا حكمه في عباده ، ويخلصوا له القول والعمل ، ويقفوا عند حدوده التي حدها لعباده ، وبذلك يفوز الجميع بالنجاة والعز في الدنيا والآخرة ، كما يفوزون بالنصر على الأعداء والسلامة من كيدهم واستعادة المجد السليب ، والعز الغابر ، كما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وقال سبحانه: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ولما حذر سبحانه من اتخاذ الكفار بطانة من دون المؤمنين وأخبر أن الكفار لا يألون المسلمين خبالا ، وأنهم يودون عنتهم ، قال بعد ذلك: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
وهذا الأصل الأصيل والفقه الأكبر هو أولى ما كتب فيه الكاتبون ، وعني به دعاة الهدى وأنصار الحق ، وهو أحق العلوم أن يعض عليه بالنواجذ ، وينشر بين جميع الطبقات حتى يعلموا حقيقته ويبتعدوا عما يخالفه .