هذا من حيث ناحية النقد ،أما من ناحية أصول الأدب نفسه: اصول الشعر والنثر والقصص والتراجم فلماذا يخضع الأدب العربي لقواعد مستمده من آداب اخرى تختلف عن الأدب العربي:مزاجا وشكلا وطابعا .
وهل يمكن أن هناك أصولا يضعها الأروبيون لتخضع لها الآداب في العالم كله ، واذا قالوا لهم ذلك فهل نقبل نحن ذلك والأدب العربي عريق الجذور وسابق لهذه الآداب كلها من النشأة والتكوين ، هل نقبل أن يخضع أدبنا لقواعد غريبة عنه ، بينما شكل أدبنا بوجوده خلال أربعة عشر قرنا قواعد وقيما مستمده من جوهره وطوابعه .
أن اختلاف المصادر والمنابع بين الأدب العربي والآداب الأخرى الغربية يجعل من العسير خضوع الأدبين لمقاييس واحده ، أو لقوانين واحده ، والمعروف أن الآداب الغربية جميعا تستمد مصادرها من الأدب الهلينى والفلسفة اليونانية والحضارة الرومانية ،فقد أتجه الأدب الأروبي الحديث منذ أول ظهوره في عصر النهضة الي هذه المنابع وربط نفسه بها وجعلها أساسا ثابتا لمختلف وجهات نظره ومفاهيمه وقيمه ، واتخذ من النظرات التي قدمها أرسطو في الأدب والنقد والشعر وغيره أساسا له .
وهذه الحصيلة التاريخية الضخمة وهذا التراث الاغريقى الروماني المسيحي يقوم علي أساس يختلف اختلافا واضحا عن الأساس الذي يقوم عليه الأدب العربي الذي أستمد مصدره أساسا من القرآن الكريم و الاسلام وانصهرت معها ،ومن هنا كان ذلك الخلاف الواضح ، والتباين الكبير بين المشاعر والعواطف والأحساسيس في كلا الأدبين .
الأدب الذي استمد وجوده من التوحيد والنبوة ، والثقة بالله ،والنظر الي الكون بمنظار السماحة والتفاؤل والايمان ، وهو ما كونته طبيعة البيئة العربية بالأضافة الي ما صاغة الاسلام في النفس العربية من عقيدة ، وبين الأدب الذى يستمد وجوده من بيئة تتصارع الانسان ويصرعها الانسان ويصرعها النسان ويصرعها الانسان ومن أجواء مضببة تقاسي جو الجبال الصخرية ، وظلام الليالي الطويلة ، وظلال الحياة الغامضة وغلبة السماء المغطاة بالسحب .
لاشك أن هذا الاختلاف البعيد المدي في طبيعة البيئة ،وفي طبيعة النفس الانسانية وانعكاس هذه البيئة عليها يجعل من المستحيل التقاء أدبي العرب والغرب في وجهة واحدة ، أو مشاعر واحدة ،ومن ثم فانة من المستحيل أن يخضع كلا الأدبين الي قوانين واحدة ومناهج في الصياغة والنقد والبيان والمضمون واحدة .
وحيث يطلع النهار في سماء العرب فيملأ الفضاء بالضوء الساطع والشمس المشرقة المشعة ، الانسانية لاشك توجه الحياة في الضياء والنور ، ومن ثم فهي تعبر عنها علي هذا النحو ، ومن ثم فان أدبها لايشكل صور الضباب ، والظلال ،والرمز، والقصة الخيالية الوهمية ، وفي فنون كثيرة تتصل بطبيعة الأرض وبطبيعة النفس الانسانية في الأدب العربي تختلف اختلافا واضحا وجذريا عن مثيلاتها في الأدب الأروبى حيث يشكل الضباب والظلام وعواء الذئاب في الليل والجبال العالية لونا مختلفا وطابعا متباينا .
هذا هو أهم أوجه الخلاف بين الأدبين العربي والغربي ، وهو خلاف عميق أشد العمق متصل بالنفس الانسانية باعثة الأدب ومنشئته ، ومن ثم فان خضوع الأدب العربي لقوانين وقواعد ونظم قامت أساسا في ضوء حصيلة الأدب الأرةبي وفنونه أمر بالغ الخطر 000 وبعيد الأثر .
واذن كان لنا أن نتساءل:فالي متي نظل تابعين لأفكار الغرب ، ومستوردين لمناهج الغرب حتى في أدق ما يتصل بالنفس الانسانية والتععبير عنها ؟ ومتي نصل الي مرحلة الرشد والأصالة والتشكيل الذاتي الصادر من أعماق أدبنا ، أدبنا العريق الذي يسنق الآداب الأروبية بعشرة قرون أو تزيد 00 ؟.