فهرس الكتاب

الصفحة 6087 من 27345

ثم خرجت النظريات الاجتماعيّة التنويريّة فاتّسق نظامها المعرفي في مشروع"كانت"و"فيكو". كما برزت النظريات الاقتصادية من خلال"آدم سميث"و"ماركس"، ويعتبر"ميكافيلي"أول فيلسوف سياسي تنويري يضع مشروع الدولة المركزيّة البُرجوازيّة؛ وبدأ المنهج التجريبي العلمي يتبلور على يدي"فرانسيس بيكون"و"نيوتن"و"غاليليو"..، حينها تصاعد الحِراك الفكري والثقافي إلى حِراك اجتماعيّ وسياسيّ هيّج الجماهير الفقيرة المقهورة في فرنسا وبقية الدول الأوروبية، وحتى أمريكا إلى انتهاج الثورة على الدولة والكنيسة. (1) امتدّ الأثر الفكري للثورة الفرنسية مع امتدادها العسكري، وكذلك من خلال الاتصال الغربي بالمشرق الإسلامي، وقد أوجد هذا الاتصال الثقافيّ ذو النزعة الطّوباويّة إلى تأثر بعض المثقفين المسلمين بمبادئ التنوير الفلسفي والعقلاني؛"كالطهطاوي"و"الأفغاني"و"خير الدين التونسي"و"الكواكبي"وغيرهم ، وانتشرت مؤلفاتهم وأفكارهم الإصلاحيّة في عموم البلاد الإسلاميّة حتى جاء الجيل الأكثر وعيًا بالفكر التنويري الغربي؛ كزكي نجيب محمود و العشماوي وحسن حنفي وجمال البنا والجابري وأركون ... فحاولوا تأطير الفكر، والمزاوجة بينه وبين الفلسفة الإسلاميّة بنفض الغبار عن فكر ابن رشد، وابن سينا، والفارابي، وعموم الفكر الاعتزالي، والباطني مما ولّد أجنة مشوّهة بقيت حبيسة أسوار"المدينة الفاضلة"، ولا أدري عن مدى صمودها لتغيّرات العصر وتحدّياته القادمة إذا تجسدت في أرض الواقع!

ومازالت هذه الأجيال التنويرية تتوارث الأفكار، والرؤى القديمة نفسها التي وضعها جيل التأسيس الأوّل، مع كثرة حديثهم عن ا لتحرر و التجديد والانعتاق من التسلط الديني التقليدي والموروثات القديمة! بينما لا نجد نقدًا موضوعيًّا للفكر التنويري الغربي يوازي نقدهم الشديد لـ"التّراث الديني"و"العقل العربي"كما فعل"الجابري"، أو"الفكر الإسلامي"كما فعل"أركون"و"حنفي"وغيرهم ، في حين كانت هناك مدارس بدأت تنشأ في الغرب لنقد فلسفة التنوير وثورته الدّامية من كبار الفلاسفة كما فعل"ماركس"في نقد"برجوازية الثورة"و"فرويد"و"نتشه"في الثورة على العقل، والتأكيد على الدّور النفسي والغريزي من أجل النفاذ إلى ما وراء الواجهة العقلانية ... (2)

وهنا أسأل إخواننا التنويريين السعوديين:هل يعني هذا المُسمّى (التنوير) الامتداد التاريخي والفكري لمن سبق من فلاسفة التنوير، أم أنها ظاهرة إعجاب مُنبهِر جاءت في لحظة عنادٍ مع الواقع؟

بقي أنْ نعرف: هل هناك ملامح فكريّة عامة تجمع أطياف هذا التيار الناشئ؟

الحقيقة أنني لم أطلع على رسم واضح يعبّرون فيه عن سِماتهم المنهجيّة، ومعالمهم الفكرية بصراحة، وأعتقد أنّ لهذا مبرراته: الزمانيّة، والمكانيّة، والردود الإقصائيّة المتوقعة، ولكني سأحاول جمع بعض الرّؤى العَجْلى كمحاولة أُولى لفتح باب المزيد من الدراسات العلميّة و الموضوعيّة للدارسين و الباحثين في هذا الموضوع؛ ألخّصها فيما يلي:

1-إنّ هذا الفكر مازال جديدًا لجيل الشباب، ومعالمه مازالت لم تهضمها ثقافتهم وبناؤهم المعرفيّ السابق، مع شدّة حماسهم لأطروحاته التّجديديّة، وليس من المتوقع إمكانية تنظيم ملفاتهم وأوراقهم المبعثرة في الفترة القادمة؛ لاختلاف طبائعهم، وموروثاتهم السابقة، ومرور بعضهم بمُراهقة فكريّة حادة قد تبطل كل مشروعاتهم الإصلاحيّة!

2-الغلو في نقد المدرسة السلفيّة التقليدية، وإظهار جمودها وانغلاقها على الواقع المعاصر؛ مما حدا بكل الناقمين عليها والمخالفين لها أنْ ينضمّوا إلى خندق هذا التيار مع تباين أطيافهم وانتماءاتهم الفكريّة. وأعتقد أنّه لولا قميص النقد للسلفيّة، وردة الفعل من المقابل لما اجتمعوا على هذا التيار في خندق واحد، ليثأروا لبعضهم ويتنادَوا في منتدياتهم"التّحاوُرِيّة"أو في الوادي المقدّس .. أو من خلال مقالاتهم في صحفنا اليوميّة .

3-الاعتماد في تفسير النصوص الشرعيّة والأحكام الثابتة على العقل المجرد، والمصلحة الذوقيّة، وتأويلها وتنزيلها على الواقع من خلال هذه الرُّؤية؛ باعتبارها الأوفق لحياة الناس المعاصرة ، ونقد الكثير من القواعد الأصوليّة بحجة تضييقها لمساحة المُباح والعفو في الشريعة الإسلاميّة .

4-الدعوة لتجديد الفكر الإسلامي وتأطيره من جديد ، وربْط النّهضة بالمشروع الحضارِيّ الشامل بالمفهوم الحَدَاثيّ المعاصر .

5-نقد التيارات الإسلاميّة الحركيّة من غير تمييز، واتهامها في مقاصدها بتَسْييس الدّين لصالحها، ووَصْمها بالانتهازِيّة، وربطها- أحيانًا- بالعمالة لدول أجنبيّة .

6-التأكيد المستمر على خيار الديمقراطيّة في الإصلاح ، والعمل على إقامة دولة المؤسسات وتحقيق مفهوم"المجتمع المَدَني"من خلال المِنظار"اللّيبرالي التقدّمي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت