فهرس الكتاب

الصفحة 6129 من 27345

كما أن لسيادتها وظهورها في عصرها الأول عندما قام أهلها بها حق القيام، لدليل على صدق الوعد بظهورها في الآخرين على سائر الملل.

فإذا سرنا على نفس الطريق تحقق الوعد الإلهي بظهور هذه الدعوة وقبولها على نطاق واسع، وإذا تأخرنا تأخر، وبشائر الحاضر _بحمد الله_ حاضرة شاهدة، فعجلة الدعوة رغم النكوص والعراقيل والحواجز والسدود لم تتوقف وإن تباطأت، فدعوة الإسلام -بحمد الله- في اطراد مستمر، والناس يدخلون في دين الله يومًا بعد يوم، رغم ضعف الآلة الإعلامية والمقومات المادية الأخرى.

ومتى رجع المسلمون لسابق عهدهم وترسموا خطى سلفهم، ازدادت قوة دعوتهم، وانتشرت ثقافتهم واكتسحت، كما ظهر الصدر الأول وعلا في سنوات قلائل.

ومن البشائر أيضًا أنه ليس ثمة مكان -بحمد الله- في أرض الله يخلو من مسلم، وهذا يدل على مواءمة دعوة الإسلام وثقافته لكافة المجتمعات، وعلاجها لظروف أي زمان ومكان، وليس هذا تنظيرًا علميًا بل هو واقع عملي.

وليس معنى هذا أن دعوة الإسلام خاضعة للتشكل كالطين أو العجين، يلعب به الصبيان فيصورونه كيف شاؤوا، ولكن المراد بيان أن في شريعة الله علاجًا لكافة أوضاع البشر أين كانوا وأيان وجدوا، وأن من تمسك بها فهو موعود بالحياة الطيبة، وكل المطلوب ممن أرادها هو أن ينهل من المعين الصافي الذي نهل منه الصدر الأول، دون أن يحاول تغيير مجراه، أو تحسين محتواه، فالذي وضعه عليم خبير، والذي أداه حريص أمين.

فالواجب أن نؤدي ما علينا من تبليغ دعوة الله، فنأخذ بالأسباب المادية، ونضع الخطط والبرامج الاستراتيجية، والله قد كفل القبول والعالمية.

أما ما يرد إلينا من علوم وثقافات وافدة، فإن فيها حقًا وخيرًا، وهذا يقبل ممن جاء به، كما أن فيها باطلًا وشرًا، وهذا يرد على من جاء به، وهو غالب ما يرد، والمطلوب ألا نخضع شريعتنا ونلويها حتى توافق ما وفد، وإنما نُحكِّمها فيما يرد، ونرضى بحكمها، ثم لا نجد حرجًا فيما قضت، ونوقن بأنه الخير والحق.

إن في سنة نبينا _صلى الله عليه وسلم_ وفي عمل الصدر الأول تقريرًا لهذا المنهج، فقد نقل أهل السير لنا استفادته -صلى الله عليه وسلم- من ثقافة الفرس يوم حفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي _رضي الله عنه_، وقد لبس -صلى الله عليه وسلم- جبة من صوف رومية، وعرف الاستبرق وأصله أعجمي، وأطلقوا على الجمال طويلة العنق ما كان يطلقه العجم، فقالوا: بختي وبختية، ورمى الصحابة بالمنجنيق وهي فارسية، واستعملوا سيوف الهند، وعرفوا الصولجان، وقرؤوا المجال -مفرد مجلة- وهي وافدة، وأقر نبينا -صلى الله عليه وسلم- الدركلة ضرب من لعب الحبشة حتى جاء في الأثر:"خدوا يا بني أرفدة حتى يعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة" (19) .

وبالمقابل نبذ الصدر الأول ثقافات وعادات وافدة، ومنها: اللعب (بالإسبرنج) وهي الفرس التي في الشطرنج، وعرفوا الشطرنج وما فيه من بياذق أوبيادق وكلها فارسية، وجاء في الأثر:"من لعب بالنرد شير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه" (20) ، وعرفوا لعبة السُّدُّر -نوع من القمار- وأنكروها، وعرفوا السمسرة من فارس وتكلموا فيها،

و لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: ما هذا؟ قال: يا رسول الله قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك.

قال:"فلا تفعل" (21) .

بل أكثر من ذلك كان عندهم نوع استقراء وتحليل للثقافة الوافدة، فقد تصوروا بعضها، وحكموا عليها -حكمًا خاصًا- قبل أن تفد، ومن ذلك ما جاء في البخاري: عن عائشة _رضي الله عنها_ قالت: لما اشتكى النبي- صلى الله عليه وسلم- ذكرت بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة - رضي الله عنهما- أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه فقال:"أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" (22) .

فينبغي للمسلمين أن يعدوا الدراسات ويقيموا الثقافات من حولهم، حتى يميزوا بين حقها وباطلها وفقًا لضوابط الشرع، فيقبلوا ما فيها من خير، ويحصنوا المجتمعات ضد ما فيها من شر، وأول ذلك يكون بتقرير الثقافة الإسلامية في نفوس ذويها، وترسيخ مفاهيمها وبيان محاسنها قبل دعوة الآخرين إليها.

1 سورة آل عمران: 85.

2 سورة يس: 70-71.

3 تفسير ابن كثير 3/581.

4 سورة ص: 87.

5 سورة يوسف: 104.

6 سورة الأنبياء: 107.

7 سورة الفرقان: 1.

8 سورة سبأ: 28.

9 حديث جابر رواه البخاري 1/128، ومسلم 1/370.

10 سورة سبأ: 35.

11 سورة الشعراء: 137.

12 سورة الفرقان: 5.

13 سورة الأنفال: 26.

14 سورة الجن: 14.

15 سورة الجن: 1-2.

16 سورة الأحقاف 29-32.

17 صحيح مسلم 4/2215.

18 صحيح البخاري 5/2170.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت