هذا المحتل لا يعرف، وكل محتل، لا يعرف سوى لغة واحدة، لغة لا يفهمها إلا من فهم معنى: حب الموت، وكراهية الدنيا. لا يفهمها أبدا الذي يحب الدنيا، ويكره الموت.
ما عز الإسلام والمسلمون إلا برجال يحبون الموت، رجاء لقاء الله تعالى وثوابه، ويكرهون الدنيا، لما يعلمون من فنائها، وقصرها، وكدرها، وقلتها بالنظر إلى الآخرة.
هكذا كان النبي _صلوات الله وسلامه عليه_، فلا يدع مدع أنه كان يحب الدنيا، بل رفضها في كل موقف، فلم يقبل مالها، ولا ملكها، فعاش على حياة الفقراء، وحذر أصحابه من زهرة الدنيا:
-عن أنس قال: (لم يأكل النبي _صلى الله عليه وسلم_ على خوان حتى مات، وما أكل خبزا مرققا حتى مات) . [البخاري، الرقاق، فضل الفقر]
الأمة فيها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، والأمل فيهم، وعلى القادة، والعلماء، والتجار، وأصحاب الرأي، والعموم، عونهم، ونصحهم، وتسديدهم؛ فإنهم سدوا مكانًا لم يسده غيرهم.
-عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بمنكبي، فقال:"كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل". [البخاري، الرقاق، باب قول النبي:"كن في الدنيا كأنك غريب"]
-عن عمران بن حصين عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال:"اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء". [البخاري، الرقاق، فضل الفقر]
وهكذا كان أصحابه من بعده رضوان الله عليهم، وهكذا التابعون، وتابع التابعين، أهل القرون المفضلة. فأعز الله _تعالى_ الإسلام والمسلمين، حيث دانت لهم البلاد شرقًا إلى الصين، وغربًا إلى المحيط، وشمالًا إلى أوربا، وجنوبًا إلى إفريقيا.
في هذه المدة صار للإسلام دولة عظمى، ليس في الدنيا مثلها. لقد كان الذين يحبون الموت، ويكرهون الدنيا فيها كثير، لا يحصون. ثم لا زالوا يتناقصون، ليكثر مقابلهم الذين يكرهون الموت، ويحبون الدنيا، فكان من أثر ذلك: أن اشتغل الناس بدنياهم، الملوك بملكهم، والتجار بأموالهم، وأهل الأنعام بأنعامهم، وأهل الحرث بحرثهم، وكل صاحب دنيا بدنياه، فتوقفت الفتوحات، وبدأ الضعف يدب إلى الأمة، وكثر الخارجون عليها، وكثر التفرق والاختلاف، والفرق والأحزاب. فوجد العدو الفرصة سانحة للعدوان، فغزا بلاد الإٍسلام الشام ومصر، فاحتل منها المدن والسواحل، حتى احتل بيت المقدس سنة 492هـ في الحملة الصليبية.
في هذه الأثناء كانت طائفة من المسلمين تستعيد هيبتها بالشرط: حب الموت، وكراهية الدنيا. فتسترد البلاد، وتحرر العباد.
وهكذا مضى الأمر سجالا. كلما تحقق المسلمون بالشرط انتصروا، وكلما تخلوا انهزموا. كان ذلك في بعض الأحيان، وبعض البلدان، فالتحقيق الشامل العام من الأمة كلها لشرط الهيبة، لم يتحقق إلا في القرون الأولى المفضلة. ثم أقبل المسلمون بعدها على الدنيا بعامتهم؛ حكاما، ومحكومين، عدا بعض الذين كانوا يذكرون الأمة بوجود هيبتها حية، وإن انحسرت.
حتى كان قرن الاستعمار؛ حيث زالت الهيبة بالكامل بسقوط الخلافة العثمانية، فتكاملت استباحة الأعداء لبلاد الإسلام، بما لم يمر مثله على المسلمين يومًا.
فهي ثلاث مراحل من الهيبة مرت بالمسلمين:
المرحلة الأولى: الهيبة كاملة متمكنة من قلوب العدو، فكان المسلمون في كل معركة ينتصرون، وعز جانبهم، وفتحوا البلاد. وهي المدة من عهد النبوة، إلى الدولة الأموية.
المرحلة الثانية: الهيبة ناقصة ، فاستغل العدو الفرصة، فتمكن من الاحتلال لبعض البلاد، لكن بقية من الهيبة كانت كافية في ردعه عن المزيد. وهي الفترة من الدولة العباسية إلى سقوط الدولة العثمانية.
المرحلة الثالثة: الهيبة مفقودة، فما عاد العدو يأبه للمسلمين، فاستباح كل شيء منهم. وهي المدة من سقوط الخلافة العثمانية إلى اليوم.
ومع عودة روح الجهاد والمقاومة، بدأت الأمة تسترجع شيئا يسيرا من هيبتها، الضرورية اللازمة لبقائها، لزوم الماء والهواء للحياة.
وهو أول الطريق، فتجربة جهاد العدو، وإن كانت من تراث الإسلام وتاريخ المسلمين، إلا أنها اليوم وليدة، حديثة التجربة؛ لاختلاف وسائل المقاومة في هذا العصر.
وقد فتحت على المسلمين أبواب كثيرة يجاهدون منها، لم تفتح من قبل، ليس مقاومة العدو إلا إحداها، والقدرة على مخاطبة جميع العالم، ودعوته إلى الإسلام باب من هذه الأبواب.
وهناك اليوم في الثغور مرابطون، مجاهدون، نحورهم في نحر العدو، بصدورهم يتلقون سلاحه، ومهما قيل عنهم، ومهما نعتوا، فإنهم درع الأمة، وسياج منع عنها كثيرًا من الشر، وخفف عنها من كيد العدو بإشغاله، وصرفه عن مزيد من الاستباحة، والعدوان، والاحتلال. وما قد يقع منهم من خطأ فإصلاحه بالاحتضان، والتوجيه، والنصيحة من أهل العلم والرأي.
ونحن في زمان غريب؛ فإنه في كل أمة، يتبوأ مناضلوها، والمقاومون للعدو المحتل فيها المقامات الرفيعة، والشرف الكبير. غير أننا نرى مجاهدينا، والواقفين بطريق العدو، وخططه لاحتلال سائر بلاد الإسلام، يتهمون ولا ينصفون..!!؛ يتهمون بالإرهاب، وبنقصان الوعي والإدراك.