فهرس الكتاب

الصفحة 6185 من 27345

قبل أَنْ ينزّل الله الكتاب عَلَى عبده صلى الله عليه وسلم، كَانَ هناك كتاب منظور فِيهِ مَا لاَ يطيقه عاقل ليسجد لصنم أَوْ يعبد وثنًا، وَهِيَ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي نعيش بِهَا، ونسير فِي أرجائها، ولكنّ الإنسان مَعَ صغر شأنه وضآلة حجمه أمام الظّواهر الكونيّة ركبه الكبر لأنّ الله عَزَّ وَجَلَّ سخّر لَهُ الدُّنْيَا، وفي هَذَا الزحام تنبّه عباد الله إِلَى ذَلِكَ (( إنّ فِي خلق السَّمَاوَات والأرض واختلاف اللّيل والنّهار لآيات لأولي الألباب ) ) [آل عمران: 190] ، فكانت هَذِهِ الظّواهر الطبيعيّة أثر تدلّ عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ وترفع من مستوى العقل ونشاط العبادة فِي القلب والذّكر عَلَى اللّسان (( الَّذِينَ يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكّرون فِي خلق السَّمَاوَات والأرض ربّنا مَا خلقت هَذَا باطلًا سبحانك فقنا عذاب النّار ) ) [آل عمران: 191] وهنا الوقفة الحقيقيّة، وَهِيَ توحيد الله وسؤاله الرّحمة فكان علينا أَنْ ننظر ونعيد النّظر فِي هَذَا الكون الفسيح لنعلم قدرة الله عَزَّ وَجَلَّ فِي خلقه.

ومن رحمته عَزَّ وَجَلَّ أَنْ جعل لَنَا هَذِهِ العبادة متعلّقة بتلك الظّواهر الكونيّة وخاصة من الإمساك عَنْ الطّعام والشّراب والشّهوة إِلَى العودة إِلَيْهَا وزينة الحياة الدُّنْيَا لتكون لَنَا معيارًا فقال عَزَّ وَجَلَّ: (( فالآن باشروهنّ وابتغوا مَا كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثُمَّ أتمّوا الصيام إِلَى اللّيل ) ) [البقرة: 187] فهذا تنبيه للنّظر فِي ملكوت الله والتفكير والتدبّر وأنت ترى الجبال والتّلال والشمس والقمر والنّجوم واللّيل النّهار تدور بك وأنت مكانك وَهِيَ مسخّرات لك مَعَ عظمها (( الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات والأرض وأنزل من السّمَاء ماءً فأخرج بِهِ من الثّمرات رزقًا لكم وسخّر لكم الفلك لتجري فِي البحر بأمره وسخّرلكم الأنهار وسخّر لكم الشّمس والقمر دائِبين وسخّر لكم اللّيل والنّهار ) ) [إبراهيم: 32-33] فيستلزم ذَلِكَ ممن يعبد الله ويريد الرّجوع إِلَيْهِ والإنابة لَهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يتفكّر فِي خلقه وأصل مَا هُوَ لَهُ يعلم قدرة الله عَلَيهِ وَهُوَ صاحب الذّنوب والمعاصي بالسّرِّ والعلن والله يمهله التّوبة، وينعم عَلَيهِ لعلّه يعود إِلَى عقله ورشده وعبادته عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ الغنيّ الحميد ( إنّ الله يبسط يده باللّيل ليتوب مسيء النّهار ويبسط يده بالنّهار ليتوب مسيء اللّيل حتّى تطلع الشّمس من مغربها ) صحيح الجامع (1871) . والله المستعان.

كلّية التغير

إنّ الإنسان فِي كلّ يوم يحاول أَنْ يغيّر من نفسه وحاله إِلَى الأحسن، وذلك بالنظريّة الَّتِي يراها والزاوية الَّتِي يحبّ أَنْ ينطلق من خلالها، لكن فِي شهر رمضان يكون التغير إِلَى الأفضل، وذلك لعدم تدخّل الاجتهاد العقلي والتخبّط بكل المسارات لأنّه أمرٌ من ربّ العالمين، وفرض عَلَى المسلمين أَنْ يصبحوا فِي سلك هَذِهِ العبادة وأن يغيّروا كلّ مَا تعوّدوا عَلَيهِ خلال السنة من العادات والتقاليد، ولذلك نسمع من النَّاس من يقول:"إنّ لهذا الشهر عاداته وأموره الخاصة"، لكن التغير الَّذِي نقع بِهِ هُوَ مقدّمة عظيمة لتغيير مَا فِي النّفوس والأبدان إِذْ أنّ القاعدة (( إنّ الله لاَ يغيّر مَا بقومٍ حتّى يغيّروا مَا بأنفسهم ) ) [الرعد: 11] ولقد غيّر الصحابة رضوان الله عليهم مَا كانوا عَلَيهِ فِي عبادة غير الله وَمَا يلحق ذَلِكَ من أمور وتبعات ليتحوّل أهل الصحراء إِلَى أمّة عظيمة تهابها الأمم الَّتِي كَانَتْ لاَ تنظر إليهم، ولذلك فِي هَذَا الشّهر وقفة ليتغيّر الإنسان نفسيًّا ومعنويًّا، لما فِي هَذَا الشّهر من خير وتغير لمسار الحياة الراتبة اليوميّة.

فيكون تغيرًا كلّي فِي الاتجاه النّفسي، فَهُوَ يتغيّر مَعَ محاكات الأشياء من حوله، فَهُوَ يحافظ عَلَى لسانه وجوارحه. وفي الاتّجاه المعنوي يحاول أَنْ يبحث عَنْ ذاته ولما خلق لَهُ فِي هَذَا الشّهر ويتفكّر فِي تِلْكَ الأوقات الَّتِي ضاعت مِنْهُ فِي اللّهو واللّعب، ويشعر بأنّ كلّ شيء يتغيّر من حوله فِي هَذَا الشّهر فيصمم عَلَى التّغير ويستشعر أَنْ العبادة هِيَ الَّتِي فعلت بِهِ ذَلِكَ فيلتزمها ليجد نفسه قَدْ غيّر كلّ تِلْكَ العادات والأطباع الَّتِي تعلّق بِهَا خلال العام إِلَى عادات جديدة وجميلة تلائم الفطرة فيشعر بنعمة الله عَلَيهِ فِي هَذَا الشّهر الكريم وكيف لا؟ وَقَدْ جاء فِي الحديث القدسي ( وَمَا تقرّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبّ إليَّ مما افترضته عَلَيهِ وَمَا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه ) صحيح الجامع (1782) ، وكفى من التغير والعودة إِلَى رحاب الله محبّته عَزَّ وَجَلَّ. والله المستعان.

كلّية التربية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت