فهرس الكتاب

الصفحة 6188 من 27345

إنّ أخطر عضو فِي الإنسان: اللّسان، لأنّ كلّ الأعضاء يصيبها التّعب وحبّ الرّكون إِلَى الرّاحة إِلاَّ اللّسان، فَهُوَ يعمل بكلّ نشاط، وَلاَ يصيبه التعب إِلاَّ عِنْدَ التّوقف عَنْ الحركة، وبه يكون السّقوط إِلَى الهاوية، قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ وَهُوَ يسأله ( كُفَّ عليك هَذَا! ) وأشار إِلَى لسانه، قَالَ: يَا نبيّ الله! وإنّا لمؤاخذون بِمَا نتكلّم به؟ قَالَ: ( ثكلتك أمّك يَا معاذ! وهل يكبّ النَّاس فِي النّار عَلَى وجوههم أَوْ مناخرهم إِلاَّ حصائد ألسنتهم؟ ) ولذلك كَانَ لاَ بدّ لهذه الآلة من شغل تعمل بِهِ حتّى لاَ نقع فيما حرّمه الله وليس لَهَا إِلاَّ الذّكر الَّذِي يكون فِي شهر رمضان شهر القرآن (( شهر رمضان الَّذِي أُنزل فِيهِ القرآن هدىً للنّاس وبيّنات من الهدى والفرقان ) ) [البقرة: 185] فِي هَذَا الشّهر يتعوّد اللّسان عَلَى ذكر الله وقراءة القرآن والدّعاء ويصبح اللّسان آخذ بالذّكر فِي حالة عمله مبتعدًا عَنْ الشّر، قريبًا من الله عَزَّ وَجَلَّ (( وَإِذَا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب أجيب دعوة الدّاعي إِذَا دعان ) ) [ البقرة: 186] ، ولذلك بشّر الله الذّاكرين لَهُ فِي الحديث القدسي ( أنا عِنْدَ ظنّ عبدي وأنا معه إِذَا ذكرني، فَإِذَا ذكرني فِي نفسه، ذكرته فِي نفسي، وإن ذكرني فِي ملأٍ ذكرته فِي ملأٍ خير منهم ) صحيح الجامع (8137) . ولهذا كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من الذّكر والدّعاء وقراءة القرآن فِي هَذَا الشّهر وفي ذَلِكَ تبعه الصّحابة رضوان الله عليهم والتّابعون فكانت لهم ألسنًا يذكرون بِهَا الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، فكان فِي هديه عِنْدَ فطره أَنْ يقول: ( ذهب الظّمأ وابتلّت العروق وثبت الأجر إن شاء الله ) صحيح الجامع (2066) . وإن أفطر عِنْدَ قوم دعا لهم ( أفطر عندكم الصّائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وتنزّلت عليكم الملائكة ) صحيح الجامع (1137) ، وقوله لعائشة لمّا سألته مَاذا تقول فِي ليلة القدر من الدّعاء، قَالَ لَهَا قولي: ( اللهم إنّك عفوٌّ تحبّ العفو فاعفوا عنّي ) صحيح الجامع (2789) ، وكان صلى الله عليه وسلم يتحرّى الثلث الأخير من اللّيل لما لَهُ من الفضل والاستجابة من الدّعاء.

فعليك بالاجتهاد والذّكر والخشوع لله عَزَّ وَجَلَّ واعلم ( إنّ الله رحيم حييٌّ كريم يستحي من عبده أَنْ يرفع إِلَيْهِ يديه ثُمَّ لاَ يضع فيهما خيرًا ) صحيح الجامع (1768) ، فادعوا الله أَنْ يحفظكم ويحفظ عليكم ألسنتكم. والله المستعان.

كلّية الطّب

هَذَا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ينبّه الأمّة إِلَى السبب الرئيسي للأمراض الَّتِي يعاني مِنْهَا البشر فيؤكّد أنّها فِي المعدة الَّتِي هِيَ منفذ عظيم لدخول الأشياء إِلَيْهَا ووصولها إِلَى باقي البدن فيقول: ( مَا ملأ آدمي وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كَانَ لاَ محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه، وثلث لنفسه ) صحيح الجامع (5674) ، وبذلك يحصل الترشيد فِي الطّعام الَّذِي يمتنع الإنسان عَنْهُ فِي نهار رمضان ليقوم الجسم بالتّخلّص من الفضلات الزائدة عنه، والسموم الَّتِي تخرجها خلايا الجسم لتصبح نشيطة فتنتقل من عمل التنظيف إِلَى البناء والإنتاج، وهذا فِي حقيقة الأمر بحاجة إِلَى إنسان مرتاح نفسيًّا لأن الأمراض النفسيّة لَهَا تأثير عَلَى الأجهزة والأعضاء وتصيبها بخلل فَلاَ تستطيع تنظيم عملها حتّى وَلَوْ كَانَ أصحاب هَذِهِ الأجهزة والأعضاء لاَ يأكلون من الطّعام إِلاَّ القليل.

وَمَعَ طول السنة والانشغال الفكري والعضلي وتجمّع هموم الحياة اليومية والمستقبليّة تتفرّق الهموم عَلَى الإنسان حتّى يشعر بأنّه لاَ يخرج من هم إِلاَّ إِلَى غيره إِلَى أَنْ يأتي شهر رمضان فيتذكر أَنَّهُ لاَ بدّ لَهُ من الدّخول فِي هذه العبادة وغيرها من العبادات ليكون من عتقاء هَذَا الشهر، ومن أهل الجنّة، فيركن تحت تِلْكَ المظلّة المكتوب فِيهَا ( من كَانَتْ الآخرة همّه جعل الله غناه فِي قلبه وجمع لَهُ شمله وأتته الدُّنْيَا وَهِيَ راغمة ومن كَانَتْ الدُّنْيَا همّه جعل الله فقره بَيْنَ عينيه وفرق عَلَيهِ شمله ولم يأته من الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قدر لَهُ ) صحيح الجامع (6510) ، فيجتهد فِي العبادة وخاصة أَنْ من حوله من النَّاس يكون همّهم هُوَ همّه من العبادة والذّكر فيجد فِي ذَلِكَ الفرصة ليتخلّص من أوهامه كلّها ويعود إِلَى الأصل الَّذِي خلق من أجله (( وَمَا خلقت الجنّ والإنس إِلاَّ ليعبدون مَا أريد منهم من رزقٍ وَمَا أريد أَنْ يطعمون إنّ الله هُوَ الرّزاق ذو القوّة المتين ) ) [الذّاريات: 56-58] وبذلك تتخلّص النّفس من حقدها وشرّها وحسدها وتتطلع بَعْدَ ذَلِكَ لفعل الخير لأن كلّ شيء ذاهب وَلاَ يبقى إِلاَّ البحث عَنْ حقيقة ذَلِكَ الطّريق الموصل إِلَى الجنّة. والله المستعان.

كلّية الحِلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت