ثم إن مقترف الفاحشة جُعل في عداد الجاهلين ، كما ورد على لسان يوسف عليه السلام في قوله تعالى: [ وإلا تَصْرِف عني كيدهن أَصْبُ إليهن وأكن من الجاهلين ] . أمَّا الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- فقد أطلق لفظ الجاهلية على عدد من الأفعال غير المنضبطة بالضوابط الربانية ، منها قوله للذي عَيَّر أخاه المسلم بأمه ، معتزًا عليه بالنسب العربي: ( إنك امرؤٌ فيك جاهلية ) . ومنها استنكاره -صلى اللَّه عليه وسلم- استنكارًا شديدًا استغاثة أحدهم بالقول: ( يا للمهاجرين ) ، والآخر بـ ( يا للأنصار ) ، وعد ذلك تعصبًا مقيتًا من دعاوى الجاهلية رغم أن التسمية بالمهاجرين والأنصار تسمية إسلامية خالصة ، ولكن لما صارت في هذا الموقف عصبية لفئة على فئة اعتبرها جاهلية فقال: ( أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ) ومنها أيضًا اعتباره -صلى اللَّه عليه وسلم- الفخر بالأحساب ، والطعن بالأنساب والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة أمورًا جاهلية .
جاهلية العالم قبل الإسلام:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (3) ـ رحمه اللَّه ـ (( فالناس قبل مبعث الرسول
-صلى اللَّه عليه وسلم- كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل ، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنَّما أحدثه لهم جهال ، وإنَّما يفعله جاهل . وكذلك كل ما يخالف ما جاء به المرسلون من يهودية ونصرانية فهي جاهلية . وتلك الجاهلية العامة )) . فلفظ الجاهلية (( يندرج فيه كلّ جاهلية: مطلقة أو مقيدة ، يهودية أو نصرانية أو مجوسية أو صابئة أو وثنية أو شركية أو غير ذلك ، أو بعضه أو منتزعة من بعض هذه الملل الجاهلية فإنها جميعها: مبتدعها ومنسوخها صارت جاهلية بمبعث محمد صلى اللَّه عليه وسلم ) ). ولما أراد الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه اللَّه - أن يعدد مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أهل الجاهلية في رسالة له في هذا الشأن أضاف إلى عبارة (أهل الجاهلية ) قوله ( الكتابيين والأميين ) ليوضح أن مقصده بأهل الجاهلية هم أهل الكتاب والأميون من يهود ونصارى ووثنيين وغيرهم .
هل هناك جاهلية بعد بعثة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ؟
لا جاهلية في زمان مطلق بعد مبعثه -صلى اللَّه عليه وسلم- ؛ لأنه لا تزال من أمته طائفة على الحق إلى قيام الساعة . (( فالجاهلية المطلقة بعد البعثة قد تكون في مصر دون مصر ، كما هي في دار الكفار ، وقد تكون في شخص دون شخص كالرجل قبل أن يسلم ، فإنه يكون في جاهلية ، وإن كان في دار الإسلام ) )، (( أمَّا الجاهلية المقيدة ، فقد تكون في بعض ديار المسلمين ، وفي كثير من المسلمين ) ) (4) .
هل رقي أي حضارة مادية يمنع وصفها بالجاهلية ؟
وممَّا ينبغي إدراكه أن الجاهلية في المصطلح الإسلامي - الذي سبق أن أَبَنَّاه- (( ليس مقابلًا للقوة المادية ، ولا العمارة المادية للأرض ، ولا العلم بظواهر الحياة الدنيا ، فقد وصف اللَّه جاهليات في التاريخ بالقوة والعلم وعمارة الأرض ، فلم ينْفِ عنها ذلك كله أنها جاهلية ... قال تعالى: [ فأمَّا عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن اللَّه الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ] ... وكذلك لا يمكن أن ننفي عن الجاهلية أن يكون فيها أي خير على الإطلاق .. فما من جاهلية من جاهليات التاريخ خلت من جوانب من الخير ومن أفراد خيرين .. وقد كان في الجاهلية العربية - مثلًا - فضائل لا شك فيها كإكرام الضيف ، والشجاعة ، وإباء الضيم ، وإجارة الضعيف .. ولكن هذا كله لم يمنع عنها صفة الجاهلية التي وصفها بها رب العالمين ... لأنها (( تجهل حقيقة الألوهية ، وتتبع غير منهج اللَّه ) ) (5) .
(1) - محمد قطب: كيف نكتب التاريخ الإسلامي ، ص 34 ، 35 ، رؤية إسلامية لأحوال العالم الإسلامي ، ص 13 ، 14 .
(2) - ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ، نشر محمد حامد الفقي ، ط. مطابع المجد التجارية ، ص 77 .
(3) - اقتضاء الصراط المستقيم ، ص 78 .
(4) -ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم ، ص 78 - 79 .
(5) -محمد قطب: رؤية إسلامية ، ص 18 - 21 .