فهرس الكتاب

الصفحة 621 من 27345

وطائفة أخيرة أسرفت في النقل وأكثرت دونما تعقيب أو تعليق وفيهم بعض أئمة التفسير، فأشكل ذلك على كثير من عامة المسلمين ممن يكتفون بقول من عرف بالعلم، وقد شاعت بذلك كثير من الخرافات منها القصيدة المشهورة المسجلة على الأشرطة التي تروي قصة يوسف وتعج بالأخطاء، وهنا لابد من الإشارة أن كون العالم المعين ذكر شيئًا ليس كافيًا حتى نسلم به، ونصر على صحته، فكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ولكل جواد كبوة ولكل حسام نبوة، أما من لا يستطيع أن يميز بين الصحيح والسقيم، فعليه أن يلتزم كتب من عرف بالتحقيق وتحري الصحة من أهل العلم.

والأصل في هذه المسألة أن التشريعات والأحكام لا يجوز التماسها في غير آية محكمة، أو سنة ثابتة، أو ما تفرع عنهما مما دلا على حجيته.

فالرجوع إلى الإسرائيليات التماس حكم لا يجوز ولا ينبغي، ومع ذلك فقد أذن لنا في التحديث عن بني إسرائيل فلا حرج، وفي الصحيح:"بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، ولعل هذا الإذن جاء بعد تضييق، ولكن ليس المراد بالتحديث العمل بكتبهم، بل أخذ العبر والعظات، والاستفادة مما علمنا صدقه وصوابه، أو حله وجوازه في شرعنا، ولا يخفى أن أخبار الماضين وقصصهم قد تنطوي على فوائد قد يحسن ذكرها في بعض الأحيان، شريطة ألا يتعدى ذلك إلى إحداث تشريع لم يرد في الكتاب أو السنة.

وأخيرًا .. قول الله - تعالى-:"وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ" (يوسف: من الآية3) في عقب قوله:"نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ" (يوسف: من الآية3) ، فالمقصود بالغفلة هنا: عدم العلم، فمحمد - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلم هذه القصة، ونحوها قبل أن يقصها الله عليه في القرآن. وقيل: لم تكن ملتزمًا بوحي قبل نزول القرآن، وإن كان - صلى الله عليه وسلم - يتحنث ويتعبد على ملة إبراهيم.

أسأل الله أن يرزقنا الاعتبار من قصص القرآن، وأن يثبت بها قلوبنا، وأن يرزقنا السير على نهج أولئك الصالحين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه أجمعين.

(1) انظر تفسير القرطبي للآية 9/120.

(2) السابق.

(3) ونحوًا من هذا أشار إليه ابن كثير في التفسير 2/468.

(4) انظر تفسير الآية عند الزمخشري في الكشاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت