فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومما لاشك فيه أن العرب كانوا على وثنية ولكنْ مَنْ من الأمم لم يكن عند ظهور الإسلام من أهل الوثنية بمختلف معانيها؟ إلا أن العرب كانوا أحدث الأمم في وثنيتهم، لأنها طرأت عليهم قبيل الإسلام بمئات قليلة على يد عمرو ابن لحي الخزاعي في خبر طويل لا يتسع المقام للإفاضة فيه. وكانت العرب قبل ذلك من أهل الحنيفية دين إبراهيم وإسماعيل، وبنو إسماعيل انتشروا من مكة وتوطنوا في جميع البقاع الشمالية من جزيرة العرب إلى أسوار مدينة دمشق. ومن العرب من كانوا على دين شعيب، وقد ترك التاريخ لنا نصوصًا في هذا المعنى. وهذه الوثنية الطارئة على العرب لم يكن لها عندهم من الهياكل والسدنة والتهاويل ما يضارع الذي لها عند غيرهم، فكانوا أقرب أمم الأرض إلى دين الفطرة، وبذلك استحقوا ثناء الله عليهم فيما جاء بسورة البقرة: 143 (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا، وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله، وما كان الله ليضيع إيمانكم، إن الله بالناس لرؤوف رحيم) ، وما جاء في سورة الأنفال: 64 (يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين) وما جاء في سورة التوبة: 100 (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم) .
نقل الحافظ ابن حجر في الإصابة (3:2 طبعة السلطان عبد الحميد) عن الزبير بن بكار"أن رجلا قال لعمرو بن العاص: ما أبطأ بك عن الإسلام، وأنت أنت في عقلك؟"
قال: إنا كنا مع قوم لهم علينا تقدم- يعني أباه ومن هم في طبقته- وكانوا ممن توازي حلومهم الجبال، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم فأنكروا عليه، قلدناهم، فلما ذهبوا وصار الأمر إلينا نظرنا وتدبرنا، فإذا حق بين، فوقع في قلبي الإسلام، فعرفت قريش ذلك مني، من إبطائي عما كنت أسرع فيه من عونهم عليه، فبعثوا إلي فتى منهم فناظرني في ذلك، فقلت:
-أنشدك الله ربك ورب من قبلك ومن بعدك: أنحن أهدى أم فارس والروم؟
قال: نحن أهدى- يعني الصدق والعدالة والأمانة والتعاون المحمود-.
قلت: فنحن أوسع عيشًا أم هم؟
قال: هم.
قلت: فما ينفعنا فضلنا عليهم إن لم يكن لنا فضلٌ إلا في الدنيا، وهم أعظم منا فيها أمرًا في كل شيء؟ وقد وقع في نفسي أن الذي يقوله محمد- من أن البعث بعد الموت ليجزى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته- حق، ولا خير في التمادي في الباطل"."
إن المسلمين- بل الإنسانية كلها- أشد ما يكونون اليوم حاجة إلى معرفة فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرم معدنهم وأثر تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، وما كانوا عليه من علو المنزلة التي صاروا بها"الجيل المثالي"الفذ في تاريخ البشر. وشباب الإسلام معذور إذا لم يحسن التأسي بالجيل المثالي في الإسلام، لأن أخبار أولئك الأخيار قد طرأ عليها من التحريف والأغراض والبتر والزيادة وسوء التأويل في قلوب شحنت بالغل على المؤمنين الأولين، فأنكرت عليهم حتى نعمة الإيمان! وقد أصبح من الفرض الديني والقومي والوطني على كل من يستطيع تصحيح تاريخ صدر الإسلام أن يعتبر ذلك من أفضل العبادات، وأن يبادر له ويجتهد فيه ما استطاع، إلى أن يكون أمام شباب المسلمين مثال صالح من سلفهم يقتدون به ويجددون عهده، ويصلحون سيرتهم بصلاح سيرته.
وهذه المعاني تحتاج إلى دراسات علمية عميقة، ليتبين لنا سر الله في تكوين هذا"الجيل المثالي"على يد حامل أكمل رسالات الله. وإن فصلًا كهذا أضيق من أن يلم- ولو بإشارات قصيرة ولمحات سريعة- بمثل هذه المعاني التي تخطر على البال في أثناء المطالعات والتفكير، ونحن نكتفي بتسجيلها ليتخذ منها أذكياء الطلبة والشبان مواضيع للدراسة والتمحيص. والله الموفق..