فهرس الكتاب

الصفحة 6335 من 27345

وكما يؤكد مالك بن نبي عليه -رحمه الله- فإن التجربة الإسلامية القدوة التي صاغها النبي -صلى الله عليه و سلم- غيرت المعادلة الاجتماعية للعرب، وأخرجت إنسانًا جديدًا غيَّر مجرى التاريخ وشاد حضارة خلال نصف قرن، وأنتج أشخاصًا أمثال عمار وبلال وربعي رضي الله عنهم أجمعين. فعمار بن ياسر كانت روحه المتناغمة مع نداء الفكرة الإسلامية وحرارتها الإيمانية، كانت هذه الروح تدفعه إلى أن ينقل حجرين بدل حجر واحد عند بناء المسجد النبوي، وبلال الذي ينادي: أَحَدٌ أَحَد، إنما كانت روحه أقوى من تلك الصخرة التي على صدره؛ إذ كانت تتطلع بفعل التوتر الذي أحدثه الإسلام فيها إلى حياة أسمى من ذلك العذاب الذي كان يلاقيه فلا يحس به. وربعي بن عامر كان بما تشكل عليه من قيم الإسلام وروحه أعلى وأقوى من رستم قائد الفرس، بالرغم من أن ربعي كان جنديًا بسيطًا في جيش الإسلام، وكان رستم قائد جيش الفرس، ولكن التوتر الروحي بلغ ذروته عند ربعي رضي الله عنه فغيّر مجرى المعادلة.

من هنا يمكن أن نؤكد أن الفعالية من وجهة اجتماعية (سوسيولوجية) ، تنتج من خلال التركيب التاريخي للعناصر الأولية للحضارة، والتي هي الإنسان والوقت والتراب، على حسب تعبير الأستاذ مالك بن نبي -رحمه الله- على ضوء هداية منهج مكيف طبقًا للنموذج الذي اختاره المجتمع.

فالفعالية في جوهرها منهج فكري، بمعنى أنها (مسألة أفكار ومناهج وليست مسألة وسائل) ، الأمر الذي اعتقده العالم الإسلامي حين اتجه إلى البحث عن الوسائل المادية، بينما الأمر يتعلق بنمط الثقافة، وما تحدّده من مناهج، وما توفره من أفكار وجو فكري، يفعِّل الأداء الاجتماعي للفرد والمجموع.

والحديث عن النموذج والمنهج هو في الحقيقة حديث عن ترجمتهما في صورة مشروع ثقافي، يكتّل الجهود، ويشكّل دستور الحياة، متضمنًا عناصر الفكر والأخلاق والجمال والصناعة بالتعبير الخلدوني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت