فهرس الكتاب

الصفحة 6591 من 27345

(إنَّمَا المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ) (الحجرات:10 ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يحقره ) فكيف نسلم الكثير من المسلمين اليوم إلى الفقر والفاقة والظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي ؟! .وغاب مفهوم الرحمة، وهي الغاية التي من أجلها نزلت شريعة الله عز وجل، قال تعالى: (وما أرسلناك إلاَّ رحمةً للعالمين ) (الأنبياء: 107 ) وغاب مفهوم الإحسان، وهو عدم الاقتصار على إعطاء الناس حقوقهم عدلًا وإنما التنازل لهم عن بعض حقوقنا، إحسانًا، والله تعالى يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى.. وغاب مدلول المحبة التي هي من ثمرات الأخوة والتي بدونها لا يستقيم إيمان ولا تتحقق نجاة وفوز (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) وغاب مفهوم الإيثار الذي كان يحكم جماعة المسلمين في الشدة والرخاء، قال تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) (الحشر:9 ) .

ولم يقتصر الإسلام في حمايته مجتمع المسلمين على غرس الأصول النفسية للتكافل، وبذلك تنتهي التعاليم الإسلامية إلى وصايا خُلُقية تحاكي الضمير، وإنما أوجد إلى جانب ذلك التشريعات التكافلية الملزمة من نظام الزكاة والميراث والنفقات الواجبة، وحرس استمرارية هذه المعاني بالتربية في جانب الأصول النفسية، وبالعقوبات الملزمة للتشريعات المالية، وبالرقابة العامة الدائمة على ذلك، ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة كل مسلم ـ من جانب آخر..

وفي اعتقادنا أنه في غيبة تشريعات التكافل الاجتماعي الملزمة بسبب غياب الشريعة الإسلامية عن التطبيق لا بد من التأكيد على هذه الأصول النفسية التي هي في طبيعتها أسبق من التشريعات الملزمة، والمقدمة الطبيعية للانتهاء إليها..ونعود إلى القول: إنه لا بد من مراجعة لفهمنا للإسلام وتجديد هذا الفهم الذي أنتج هذا الواقع الذي نحن عليه، وإن قبولنا بهذا الفهم يعني رضانا بهذا الواقع .. لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عنه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: (من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له .. ) يقول أبو سعيد: فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنافًا من المال ـ غير الظهر والزاد ـ حتى رأينا أنه لا حق لأحدنا في فضل .

إن الظهر والزاد لم تذكر هنا على سبيل الحصر، وإنما ذكرت على سبيل المثال كما هو معلوم، لقد مثل الرسول صلى الله عليه وسلم بها وبغيرها من الأموال ـ فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنافًا من المال ـ حتى انتهى رأي الصحابة رضوان الله عليهم فيما يرويه أبو سعيد: حتى رأينا أي انتهى رأينا.. أنه لا حق لأحدنا في فضل .. إنه يحرُمُ الادخار أيام الشدائد والأزمات، التي تتعرض لها الأمة.. الأمر الذي لم تقل به أكثر المذاهب تطرفًا وادعاءً للتكافل الاجتماعي أو للضمان الجماعي، حتى وصل الأمر ببعض الصحابة إلى القول بتحريم الادخار دائمًا، وتحديد الكنز بأنه ما زاد عن حاجة يومك في كل الأوقات مما كاد يوقع المسلمين في حرج .. فكان جواب سيدنا عمر رضي الله عنه على ذلك بقوله: لماذا شرعت الزكاة إذن ؟. أليست شرعة الزكاة هي عن المدخرات المملوكة التي يحول عليها الحول ؟ومن هنا نقول: إن الادخار يصل إلى مرحلة التحريم وقت الحاجات والشدائد والأزمات ..هذا كله عدا عن نفي الإيمان عن الذي يبيت شبعان وجاره جائع وهو يعلم (والله لا يؤمن من بات شعبان وجاره جائع وهو يعلم ) ولا يتسع المجال هنا لذكر بعض الفتاوى في هذا السبيل التي تؤكد على عنصر الإلزام في الموضوع، كفتوى ابن حزم وغيره لأنها معروفة في مظانها من كتب الفقه، لكن الذي أردنا إليه هو تحديد موقع الفقراء والمحرومين في المجتمع الإسلامي ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت