فهرس الكتاب

الصفحة 6599 من 27345

وأمّا عمر فمثله في الملائكة كمثل جبريل ينزل بالسخط من المولى تبارك وتعالى على أعداء الله عز وجل ، ومثله في الأنبياء كمثل نوح - عليه السلام - إذ يقول: ?رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الكَافِرِيْنَ دَيَّارًا . إنَّكَ إنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوْا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوْا إلاّ فَاجِرًا كَفّارًا [-5] ? ، وكمثل موسى - عليه السلام - إذ يقول: ?رَبَّنَا اطْمِسْ عَلاى أمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلاى قُلُوْبِهِمْ فَلا يُؤمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيْمَ [-6] ? .

ومال المصطفى صلوات الله وسلامه عليه إلى رأي أبي بكر الصديق ، فليس كالعفو شيء يفتح القلوب المغلقة ، فافتدى الكثير من الأسرى أنفسهم، ومن لم يستطع افتداء نفسه وكان يحسن القراءة والكتابة ، كانت فديته أن يعلّم عشرة من أبناء المسلمين ، وقد عفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعضهم بغير فداء .

وبعد تنفيذ القرار في شأن الأسرى نزل القرآن الكريم معاتبًا على اختيار الفدية عن التخلّص من أسرى الوثنية ، كما يشير إلى شرائع الأنبياء السابقين في مثل هذه الظروف ، بيد أن العتاب لم يكن على إطلاق سراح الأسرى والمنّ عليهم بالفداء، ولكن على نفس الأسر أثناء المعركة ، أي: على عمل تكتيكي حدث أثناء القتال ، وهو اكتفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنهاء المعركة بأقلّ ما يمكن من الخسائر في أرواح زعماء"قريش".

إن المصطفى صلوات الله وسلامه عليه كان يعلم أن بعضهم قد خرج مكرهًا ، ومن بينهم رجال من"بني هاشم"، والبعض الآخر سبق أن طالب بنقض"الصحيفة"التي كانت بمثابة مقاطعة اقتصادية لـ"بني هاشم"و"بني عبد المطلب"، والتي اتّفقت"قريش"بمقتضاها على ألاّ يتزوجوا من نسائهم ، ولا يبيعون لهم شيئًا ، ولايشترون منهم، ولا يخالطونهم ، ولا يقبلون منهم صلحًا ، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلّموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل ، واستمرّت هذه المقاطعة المروّعة ثلاثة أعوام لم يجرؤ أحد من"بني هاشم"و"بني عبد المطلب"خلالها أن يدخل"مكة"، ومد ذلك فقد ضربوا أروع الأمثال في الصبر والاحتمال .

ثم أذن المولى تبارك وتعالى لهذا الليل الطويل أن ينجلي ، فقام خمسة من كرام الرجال فشقّوا صحيفة المقاطعة وأعلنوا نقضها . وحينئذ خرج"بنو هاشم"و"بنو عبد المطلب"من هذا السجن الضيّق المميت إلى معترك الحياة .

ولقد اعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عملهم هذا حسنة تجزى بمثلها ، أمّا المسلمون الذين آثروا الأسر على القتل فقد كانوا قلّة ، وإن كان بعضهم كان يرجو من استبقاء الأسرى عرض وأخذ الفداء ، يقول المولى تبارك وتعالى: ?مَا كَانَ لِنَبيٍّ أنْ يَّكُوْنَ لَه أسْراى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيْدُوْنَ عَرْضَ الدُّنْيَا وَالله يُرِيْدُ الآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ . لَولاَ كِتَابٌ مِن اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيْمَا أخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيْمٌ [-7] ? ، فالمولى تبارك وتعالى ينهى عن اتّخاذ الأسرى قبل الإكثار من قتل الكفّار ، ويعيب على من يريد عرض الدنيا، ولولا حكم سابق من الله - عز وجل- بألاّ يعاقب مجتهدًا على اجتهاده مادام القصد خيرًا؛ لان العذاب الأليم .

وتأكيدًا لمبدأ"الحرية السياسية"قرّر الإسلام أن اختيار الخليفة موكول إلى المسلمين ، وأن الخلافة الشرعية هي ما كانت نتيجة بيعة حرّة ، ذلك: لأنه لم يرد في كتاب الله - عز وجل - ولا في سنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه تفصيل في نظام الحك وكيف يكون ، وإن القرآن الكريم قد جعل الشورى أساس الحكم في الإسلام: ?وَشَاوِرْهُمْ في الأمْرِ [-8] ? ، و: وأَمْرُهُمْ شُوراى بَيْنَهُم [-9] ? . وعلى هذا لأساس الديمقراطي الإنساني النبيل: ولي الحكم الخلفاء الراشدون ، ولم يكتف الإسلام بذلك، بل أوجب على السلطة التنفيذية ألاّ تبرم أمرا م أمور الدولة فيه خطورة ومسؤولية إلا إذا رجعت فيه إلى المسلمين ، وأن هذه السلطة مسؤولة أمام الأمّة عن كل ما تعمله في حدود اختصاصاتها العامة .

ونذكر على سبيل المثال ، مّايؤكّد هذا المعنى في وضوح: ماجاء في خطبة أبي بكر الصديق ، حين مبايعة المسلمين له بالخلافة .

يقول الخليفة الأول أثر بيعته:"إني ولّيت هذا الأمر ، وأنا له كاره ، ووالله لوددت أن بعضكم كفانيه ، ألا وانكم ان كلّفتموني أن أعمل فيكم بمثل عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم أقم به ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد أكرمه الله بالوحي وعصمه به ، ألا وإنما أنا بشر لست بخير من أحد منكم ، فراعوني ، فإن رأيتمون استقمت ، فاتبعوني وإن رأيتموني زغت فقوّموني".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت