فهرس الكتاب

الصفحة 6628 من 27345

وبعد ، فإني أرحب بالنقد إن كان من ناصح متأدب بآداب البحث العلمي ، لم يأخذ التقليد بتلابيب عقله ، ويرديه في حفرة التعصب الأعمى المقيت ، وسأنقاد بعون الله تعالى وتوفيقه إلى الحق إن تبين ، على أساس من الدليل والبرهان ، لا قول فلان وفلان ، اللهم إلا الإجماع المتيقن وذلك إجماع الصحابة لا من بعدهم من أهل سائر الأزمان .

تمهيد

في بيان أن تحكيم الشريعة الإسلامية في جميع شؤون الحياة

من أصل الدين وأساس عقيدة التوحيد

في أواخر عهد الخلافة العثمانية صدر قانون التجارة عام 1850 م ، نقلًا عن القانون الفرنسي ، فكانت أول نقطة تراجع للشريعة الإسلامية في عقر دار الإسلام ، ثم أعقب ذلك - وثم للتراخي - مرحلة نشاط الخديوي إسماعيل على إثر أولى محاولات تغريب مصر على يد محمد على وأبنائه ، نشاط الخديوي في إحلال القوانين الوضعية محل التشريعات الإسلامية ، ثم تتابعت بعد ذلك مؤامرات تنحية الشريعة الإسلامية شيئًا فشيئًا تزحف على بلاد الإسلام .

وفي أواخر القرن الثالث عشر الهجري وأوائل القرن الرابع عشر الهجري ، ثم ما بعده انفرط العقد فتناثرت حباته ، ونقضت عروة الحكم في بلاد الإسلام ، وهي أول عرى الإسلام تنقض ، كما صح في الحديث المرفوع ، ( تنقض عرى الإسلام عروة عروة فأولها نقضا الحكم وآخرها الصلاة ) .

ومنذ ذلك الحين والأصوات الصادقة لا تكف عن المطالبة بضرورة العودة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية ، وأنها ضرورة لا تحتمل التأخير ولا التهاون و التأجيل.

انطلقت هذه الصيحات من إيمانها بأن الحكم بما أنزل الله تعالى من مقتضى الشهادتين اللتين هما عنوان هذا الدين ، ومن أصل التوحيد الذي يقوم عليه كل دين الإسلام ، ولهذا جعل الله تعالى التحاكم إلى غيره عبادة للطاغوت ، كما قال الحق سبحانه: ( أَلَمْ تَرَ إلى اْلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ ومَاَ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلى اْلطَّاغُوتِ وَقَدْ أْمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ اْلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلال بَعِيدًا ) وجعل الإشراك به في حكمه من الشرك بالله تعالى ، قال تعالى: ( وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ) وقرئ ( ولا تُشْرِك في حُكْمِهِ أحدًا ) ، وجعل الصدود عن حكم الله من أخص صفات المنافقين كما قال: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى اْلرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُونَ عَنكَ صُدُودًا ) ، ونفي الإيمان عمن لا يحكم ما جاء به الرسول في كل شيء كما قال: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكَّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ) وسمى الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى كافرًا وظالمًا وفاسِقًا ، قال تعالى: ( وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ ) وإنما نزلت في اليهود الذين وضعوا تشريعا واحدًا بدل حكم الله تعالى ، وهم يعلمون أنهم وضعوه من عند أنفسهم لا من عند الله ، فكيف بمن وضع تشريعًا عامًا وهو يقر أنه اتبع فيه الكفرة الملاحدة أعداء الرسل دون ما أنزل الله تعالى ، وإذا كان الله تعالى قد جعل تغيير حكمه في الأشهر الحرم زيادة في الكفر كما قال تعالى: ( إِنَّمَا النَّسِئُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ) وقد كان في إرجاء أهل الجاهلية الشهر الحرام وإبداله بالحل ليقاتلوا عدوهم فيه ، إذ كانوا يحرمون القتال في الأشهر الحرم تعظيمًا لها ، فسمّى الله فعلهم هذا في تغيير وإرجاء حكم الله تعالى في الشهر الحرام ، زيادة في الكفر ، فكيف بمن أرجأ الشريعة كُلها أو جُلها ، وأحل محلها قوانين الكفرة الملاحدة أعداء الرسل والدين ، فإلى أي مدى تبلغ زيادة كفره إذن .

غير أن هذه الأصوات لم تصل إلا إلى شيء واحد فحسب ، هو أن تبقى على ذلك النص التقليدي الذي تصدر بعض دساتير الدول العربية ( دين الدولة الإسلام ، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع ) ، وهو كما قال عبد الحميد متولي متهكمًا: ( إن هذا النص لا يترتب عليه أي التزام بتحكيم الشريعة وإنما هو بمثابة تحية كريمة للعقيدة الدينية التي تدين بها الأغلبية أو كفارة تقدمها الدولة لعدم التزام أحكام الشريعة في تشريعاتها ) .

ولا ريب أن هذا النص ما هو إلا أحد الأمثلة على ضروب التناقض التي تعيشها الأمة الإسلامية التي ضلت طريق الهدى بعد نبذ كتاب الله تعالى وأحكامه ، ويعكس مدى الحيرة والتيه الذي صارت إليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت