فهرس الكتاب

الصفحة 6643 من 27345

وأما السلمية فتدخل في هذا القسم إذا كانت في أنظمة تسمح بها وتجعلها حقًا للأفراد عبر منظمات لهم تسمى نقابات أو اتحادات ، فيسمح لهم القانون أن ينظموا إضرابًا أو اعتصامًا أو مسيرة سلمية للحصول على مطالبهم فإذا كانت تلك المطالب شرعية دعوية ، كان لهذه الوسيلة حكم مقصدها ، وهذا - أعني السماح بهذه الوسائل - قد يكون عرفًا سائدًا لا قانونًا منصوصًا عليه ، فهذه كلها إذا خلت من محاذير أخرى فهي مستحبة - أو واجبة إذا لم يتم الواجب إلا بها وبحسب مقصدها - ، ولا مانع شرعًا البتة أن تستعمل لتحيق بعض أهداف الدعوة أو إنكار المنكر ، وكل ذلك ما لم تُفْضِ إلى الوقوع في منكر أكبر .

وفي هذا الباب يحصل المسلمون في بلاد الغرب - حيث تنص غالب الدساتير على حقوق الشعوب باستعمال هذه الوسائل - على كثير من حقوقهم ويخففون الأذى عليهم من أعداءهم ، مستغلين هذه الوسائل المسوح بها وإذاعة وسائل الإعلام لها لإيصال صوتهم إلى العالم ، وكل ذلك مشروع ما لم يفض إلى محرم أشد ضررًا .

هذا ، وتحقيق هذه الفتوى على الواقع ، يجتهد فيه أهل كل بلد ممن له أهلية ذلك لأنهم أعرف بأحوالهم ، ولا عجب أن يفتي بتحريم هذه الوسائل مطلقًا من ينكر وجود سلطة في العالم تسمح لموطنيها بالاحتجاج العلني عليها ، ويقول حتى لو وجدت فلا تلبث أن تبطش بهم ، غير أنه لم يعد خافيًا أن وجود مثل هذه القوانين التي تعطي الشعب حق الاعتراض والنقد العلني كحرية الصحافة وتنظيم وسائل الاحتجاج الجماعية ونحوها ، إنما يتحقق في الأنظمة التي تقوم علي فصل السلطات ، وفيها تكون السلطة التنفيذية ما هي إلا سلطة واحدة من الدولة والشعب يشارك فيها بقوة القانون أيضًا ، وتشاركهم في اتخاذ القرارات - بل هي المخولة أصلًا ـ ولها حق مراقبة الحكومة وتفرض عليها الخضوع للقوانين التي منها حقوق الرعية بالتعبير عن رأيهم ، فحتى لو كرهت السلطة التنفيذية الإنكار عليها فإنها لا تستطيع أن تمنع ذلك وتتجاوز صلاحياتها ، حتى ربما استطاع الشعب عبر ممثليه أن يغير السلطة التنفيذية ، ويأتي بغيرها ، وكل ذلك يكثر وجوده في حكومات العالم الغربي حيث يعيش المسلمون هناك وربما احتاجوا إلى تلك الوسائل لحماية أنفسهم ودينهم ، وتوجد في بعض البلاد الإسلامية كذلك ، هذا والواجب أن يتعرف المفتي على هذا الواقع حتى يعلم تحقق قاعدة سد الذرائع في البلاد التي أفتى لأهلها بالمنع المطلق أم لا .

هذا ، وإنه لمن المقرر في أحكام الفتوى وآدابها أن لا يقصر المفتي نظره على البلاد التي يعيش فيها فحسب ، ويرى العالم كله من خلالها ، ويبني الفتوى على ما يراه حوله فقط ، فإن هذا من شأنه أن يجعل الفتوى تأتي بضد مقصودها ، وقد حكيت لبعض أفاضل أهل العلم ما تسمح به البيئة الكويتية - على سبيل المثال - من وسائل لإنكار المنكرات علنية تطال أعلى السلطات وتعد في الكويت كالأعراف المعتادة لكل الناس ، ما صار بهم إلى الدهشة وكأنهم لم يسمعوا بذلك قط ، وقد نبهت إلى وجوب اطلاعهم على أحوال العالم الإسلامي ، قبل تصدير الفتوى لما في ذلك من الأهمية العظمى .

وقلت لهم إننا نعلم أن نظام الحكم الإسلامي قد كفل من وسائل تحقيق العدل ومنع الظلم وكفاية الرعية وحفظ الحقوق ، وإلزام السلطة بواجباتها عبر قنوات شرعية ، ما يجعله نظامًا مميزًا ، وأنه لا يجوز استبداله بالأنظمة الغربية ، غير أن هذا الأصل لا يعني أن لا ينظر المفتي إلى واقع الحال وحاجة الناس إلى تخفيف الشر وتحصيل الخير ما أمكن في غياب الإمامة الإسلامية العادلة ، وأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والبلاد والزمان والمكان .

كما ننبه هنا أنه لا يجوز أن نغفل سد ذرائع المنكر، عندما ننظر إلى سد ذرائع الأضرار التي تترتب على إنكار المنكر ، فقد يكون المنكر منكرًا إلى درجة يهون معها وقوع الأذى الجزئي في إعلان النكير على فاعليه حتى لو كانت السلطة ، فلا شيء يبيد النعم كظلم السلطة ، وقد ورد في الحديث ( أخوف ما أخاف عليكم حيف الأئمة ) وفيه أخاف على أمتي الأئمة المضلين ) ولهذا صار أعظم الجهاد الإنكار على جور السلطان ، لأن في استمراره على جوره وقوع الفساد العام ، وإنما تحل العقوبة الإلهية عند السكوت عنه كما صح في الحديث، كما أن في ترك إظهار الإنكار بالكلية خشية حصول مفاسد جزئية ، اختلاط الحق بالباطل ، وانقلاب المعروف منكرًا ، والمنكر معروفًا ، وخفاء الدين على الناس ، واندراس معالمه ، ولعمري ، إن هذه المفاسد لا تضاهيها مفسدة ، فينبغي أن ينظر في سد هذه الذريعة أيضًا عند الترجيح ، وقد وجدنا بعض المفتين لا يعير لهذا الجانب، اهتمامًا وإنما يتوجه نظره فحسب إلى منع الدعاة من إعلان النكير على شيء خوفًا عليهم ، حتى عمت المنكرات وطمت ، وصار ما كان يحذر منه ، قد وقع في أعظم منه ، فهذا باب مهم جدًا .

النوع الثالث من الحسبة: حسبة الرعية على الرعية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت