فهرس الكتاب

الصفحة 6664 من 27345

2.أن الأيام دول، والدول تتعاقب، وما من أمة إلا وقد أخذت بحظها ونصيبها في التمكين والعلم، والمعرفة والقوة، ولم يغيرها ذلك شيئًا، وفنيت واندثرت آثارها: (( ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذي الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد ) )، وقال تعالى: (( فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون ) )فماذا كان (( فأرسلنا عليهم ريحًا صرصرًا ) )مظهر من مظاهر الطبيعة (( في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ) ).

3.أن الأمم التي أهلكها الله من قبل لم تكن أممًا ذات حياة بدوية أو بربرية بل كان غالبها حضارات لا تزال أثارها شهادة عليها حتى اليوم تدل على مقدار ما وصلوا إليه من التقدم: فاليونان والآشوريين والفراعنة وغيرهم كانوا لا يجارون في عصورهم علمًا وقوة.

4.أن الحضارات الفاسدة والظالمة مهما أطالت في البقاء، ومهما يبلغ عمرها فإنه لا يقاس بشيء بالنسبة لعمر الحياة، وسجل التاريخ (( قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم ) )!! حقيقة ستنطق بها تلك الحضارات يوم القيامة.

5.أن الحضارات لا تقاس ببقائها ولا بموتها في الحياة، ولكن تقاس بقيمتها ومبادئها وأفكارها وما أنجزته لخير البشرية الدنيوي والأخروي.

6.أن صانع الحضارة المعاصرة هو الإنسان، غير أن الإنسان صُنع الله، وكم هو مضحك ومبكي في نفس الوقت أن يقوم المدهوشين بالغرب فاغرى الأفواه، ومحدقي الأعين، وفاقدي الوعي أمام انطلاق صاروخ، أو تحريك آلة، أو نجاح عملية جراحية، رغم أنهم يمرون بآيات الله - عز وجل - يوميًا غير مكترثين بها، ولا ملتفتين إليها، وصدق وصف القرآن فيهم (( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) )، ولذلك يلفت القرآن أنظارهم إلى آيات الله الأكبر والأعظم والأقدم (( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت * فذكر إنما أنت مذكر!! ) ) (( فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا الماء صبًا * ثم شققنا الأرض شقًا * فأنبتنا فيها حبًا *وعنبًا وقضبًا * وزيتونًا ونخلًا * وحدائق غلبًا * وفاكهة وأبًا ) ).. ثم (( أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير ) )، لكنها غشاوة الفتنة (( أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها * وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ماءها ومرعاها * والجبال أرساها * متاعًا لكم ولأنعامكم ) ).

* من رحم الظلام والظلم:

لكي نتحدث عن النهاية الحتمية للحضارة الغربية لا بد من الحديث عن بداية النشأة لكن بشيء من التلخيص فنقول:

إن أوروبا عاشت ما يعرف بالقرون الوسطى المظلمة والتي كانت الخلافة الإسلامية والعالم الإسلامي في حينه يعيش في أوج حضارته وتقدمه ورقيه في المشرق العربي والفارسي، فكانت تحكم تحت سلطان الكهنوت، حيث عملت الكنيسة عبر تعاليمها المحرفة إلى تعبيد الناس لها بصورة مزرية جدًا حتى أصبحت تتحكم في تفكيره وشئونه وخواطره وآخرته، ولم تكتف بذلك بل عملت حلفًا مع الملوك القياصرة على جعل مواطني البلاد خدمًا وعبيدًا لا يمكلون أبسط حقوق الحياة فضلًا عن المتعة والرفاهية.

ونظرًا لتراكم عدة أسباب قامت الثورة الحديثة في أوروبا ضد الاستبداد الملكي الاقطاعي والكهنوتي المسيحي، وسعت الثورة لترسيخ مبدأ حق الشعب في الحياة دون أي استبداد أيًا كان.

ومن هنا انطلقت الشعوب تبحث عن معرفة جديدة، وعلم جديد يكشف لها الحقائق من حولها، ومن ثم تعمل على تسخير ما حولها لصالحها الدنيوي، وهكذا كان العلم رديفًا لحقوق الإنسان التي سعت إليها الثورة الأوربية، ومن هنا عملت العقول وذهبت تبحث وتقلب وتستكشف، وتجمع علوم الآخرين، وتترجمها محاولة الإضافة إليها، فأعطيت الحركة العلمية قدرًا من الاهتمام الاجتماعي والسياسي، فزخرت البلدان الغربية بالمدارس والجامعات والمختبرات والمعامل، وانطلقت الدور في طباعة ونشر كل جديد تغذية للمجتمع بالمعارف التي حرم منها دهورًا من الزمان.

وفي الحقيقة فقد سارت العجلة سريعًا لأن هناك عدة عوامل ساعدت على ذلك، منها:

• الحروب القومية والاستعمارية التي خاضتها حكومات تلك الدول فيما بينها أو مع الشعوب الأخرى مما حدا بهذه الدول إلى المسابقة لنيل زمام العلوم والمعارف لتمتلك زمام القوة، كما أن هذه الحروب رافقتها كوارث صحية واقتصادية واجتماعية دفعت العقول لحل مشاكلها، ومحاولة تجاوزها، وقد قيل الحاجة أم الاختراع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت