( قال بعضهم: معنى الدرجة: الفضل الذي فضلّهم الله عليهن في الميراث والجهاد وقال آخرون: تلك الدرجة الإمرة والطاعة ، وقال آخرون: تلك الدرجة التي لها عليها ، إفضاله عليها ، وأداء حقها إليها ، وصفحه عن الواجب له عليها أو عن بعضه .. فعن ابن عباس قال: ما أحب أن استنطف أي آخذ جميع حقي عليها لأن الله تعالى ذكره يقول:(وللرجال عليهن درجة) .
ثم قال الطبري: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس ، وهو أن"الدرجة"التي ذكر الله تعالى ذكره في هذه الموضع ، الصفح من الرجال لامرأته عن بعض الواجب عليها ، وإغضاؤه لها عنه ، وأداء كل الواجب لها عليه .
وذلك أن الله تعالى ذكره قال: (وللرجال عليهن درجة) عقيب قوله: ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) .. ثم ندب الرجال إلى الأخذ عليهن بالفضل ، إذا تركن أداء بعض ما أوجب الله لهم عليهن .. وهذا القول من الله تعالى ذكره ، وإن كان ظاهره ظاهر الخبر ، فمعناه معنى ندب الرجال إلى الأخذ على النساء بالفضل ، ليكون لهم عليهن فضل درجة .
وقال الأستاذ محمود محمد شاكر محقق تفسير الطبري: ولم يكتب أبو جعفر الطبري ما كتب ، على سبيل الموعظة .. بل كتب بالبرهان والحجة الملزمة واستخرج ذلك من سياق الآيات المتتابعة .. ( ففيها بيان ) تعادل حقوق الرجل على المرأة وحقوق المرأة على الرجل ، ثم أتبع ذلك بندب الرجال إلى فضيلة من فضائل الرجولة، لا ينال المرء نبلها إلا بالعزم والتسامي، وهو أن يتغاضى عن بعض حقوقه لامرأته ، فإذا فعل ذلك فقد بلغ من مكارم الأخلاق منزلة تجعل له درجة على امرأته ، ومن أجل هذا الربط الدقيق بين معاني هذا الكتاب البليغ ، جعل أبو جعفر هذه الجملة حثًا وندبًا للرجال على السمو إلى الفضل ، لا خبرًا عن فضل قد جعله الله مكتوبًا له ، أحسنوا فيما أمرهم به أم أساءوا .
وصايا متكافئة:
ثم إن الشارع الحكيم شفع تقرير الحقوق المتماثلة بوصايا متكافئة للزوجين ، كل ذلك لتسود المودة والرحمة بينهما ، وليرعى كل منهما صاحبه أجمل رعاية وأكمل رعاية:
من الوصايا الموجهة للرجال:
قوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا) . [سورة النساء:19] .
-عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ واستوصوا بالنساء خيرًا ] .- عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله ] . [رواه مسلم] .
-عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ إني أُحرج عليكم حق الضعيفين: اليتيم ، والمرأة ] . [رواه الحاكم] .
-عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ] . [رواه ابن ماجه] .
-عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [خياركم خياركم لنسائهم ] . [رواه ابن ماجه] .
وقد روى معنى الحديث الأخير عدد من الصحابة الكرام منهم عائشة ، ومعاوية ، وأبو كبشة .
من الوصايا الموجهة للنساء:
-عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش ، أحناه على ولد في صغره ، وأرعاه على زوج في ذات يده ] . [رواه البخاري ومسلم] .
-عن أبي أذينة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ خير نسائكم الولود الودود المواسية المواتية] . [رواه البيهقي] .
-عن عبد الله بن سلام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ خير النساء من تسرك إذا أبصرت ، وتطيعك إذا أمرت ، وتحفظ غيبتك في نفسها ومالك] [رواه الطبراني] .
-عن حصين بن محصن أن عمَّةً له أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: أذات زوج أنت ؟ قالت: نعم . قال: فأين أنت منه؟ قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه قال: فانظري أين أنت منه فإنما هو جنتك ونارك. [رواه أحمد] .
-عن عبد الله بن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ لا تؤدّى المرأة حق ربها حتى تؤدّي حق زوجها ] . [رواه ابن ماجه] .
-عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ إذا صلت المرأة خمسها ، وصامت شهرها ، وحفظت فرجها ، وأطاعت زوجها دخلت الجنة ] . [رواه البّزار] .
-عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ إثنان لا تجاوز صلاتهما رءوسهما: ...، وامرأة عصت زوجها حتى ترجع] . [رواه الحاكم]
عن معاذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا ، إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله ، فإنما هو عندك دخيل ، يوشك أن يفارقك إلينا ] . [رواه أحمد] .
الإطار العام لأداء الحقوق:
قال تعالى: ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمةً إنّ في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون) . [سورة الروم: الآية 21] .