فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وأبو لهب كنية عَمِّ النبي صلى الله عليه وسلم، -واسمه عبد العزى بن عبد المطلب- ومع أن معظم الروايات تقول إنه أخذ هذا اللقب -أبا لهب- في الجاهلية قبل الإسلام، لأنه كان أشقر فكان يستحق هذا اللقب من تقارب لون بشرته مع لون النار؛ إلا أننا نرجح أن هذا اللقب لزمه في الإسلام ولم يكن معروفًا بذلك في الجاهلية؛ ففي كل تسميات الجاهليين، وفي كل كناهم لا نعرف اسمًا ولا كنية لأحد الناس بهذا المعنى؛ فما يدعو إلى الغرابة أن يكنى أبو لهب بهذه الكنية في الجاهلية لا لشيء إلا لأنه كان يميل إلى الشقرة؛ فجزيرة العرب قديمًا وحديثًا عرفت أنَاسيّ كثيرين بهذا اللون فما دعا ذلك إلى أن يطلق عليهم لقب أبي لهب وأبي جهل وما أشبه ذلك.. وكما لزمت كنية أبي جهل لزمت كنية أبي لهب. وآية ذلك أن السورة هي التي سمته أبا لهب ونبزته بهذا اللقب وكل من نبز بلقب كهذا في الإسلام لزمه إلى آخر الزمان، فأبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم تقول عنه السورة تبت يدا أبي لهب وتبّ. ما معنى التباب؟ التباب يقول عنه المفسرون إنه البوار والخسار والهلاك وأصابوا في ذلك من حيث هم نظروا إلى المآل -لا إلى جذر اللغة ولا إلى حقيقة الوضع- فالحقيقة أن كلمة تب في كتب اللغة العربية معناها القطع؛ فالخسار يلحق، والبوار والهلاك يلحق من دُعِيَ بهذا الكلام، من حيث أن الإنسان؛ إذا قطعت له يد واحدة فقد تكون اليد الأخرى صَنَاعَةً ولا يلزم من ذلك أن يكون خاسرًا، لأنه قد يستعين على حوائجه وعلى مهماته باليد الباقية. وأما إذا تَبّتْ يداه جميعًا فقد خسر وبار عنده كل شيء؛ لأن الإنسان إذا قطعت يداه الاثنتان، فلا يمكن له أن يجلب لنفسه خيرًا، ولا أن يدفع عن نفسه ضرًا، ومن هنا قلنا إن المفسرين -رحمهم الله- حينما قالوا إن التباب هو الهلاك وهو البوار وهو الخسران فذلك باعتبار المآل؛ وإلا فمعنى التباب هو القطع؛ والصياغة تقول: تبت يدا أبي لهب. فتبت الأولى؛ هي صيغة دعاء؛ أي أن الله جل وعلا يدعو عليه بأن يكون من الهالكين الخاسرين؛ وتبت الثانية تقرير لحصول ما هو مدعو به؛ يعني أن الله جل وعلا يخبر أن الهلاك لاحق وحاصل لأبي لهب لا ريب في ذلك - ويأتي كما ينبغي أن لا يغيب عن بالكم- يأتي الفعل - تبَّ - سواء في الأول وهو على بابه في الأولى، أي أنه دعاء؛ والدعاء يكون بهذه الصيغة. ولكنه في الصيغة الثانية.. تبّ الثانية؛ يأتي بصيغة الماضي. الله يحكم عليه بأنه خاسر، متى؟ في الوقت الذي كان أبو لهب رجلًا حيًا بين الناس، يسعى كما يسعون ويضطرب كما يضطربون ويكتسب كما يكتسبون ويعادي ويوالي ويصادق ويبغض؛ فهو قائم بين الناس، والكلام بهذا الشكل؛ إخبار بالماضي فمعنى ذلك حين يؤخذ الأمر على الحقيقة - أنه يجب أن يكون قد خسر بمجرد نزول الآية - لكن العرب في كلامها وقواعد بيانها ومنطقها؛ حين تريد أن تشير إلى شيء له صفة التحقق والوقوع - كشيء لا ريب فيه- تأتي به بصيغة الماضي، مع أن الهلاك الذي قرره الله جل وعلا لأبي لهب ليس في هذه الدنيا، والذي كان في الدنيا لم يقع بعد؛ فإن الله جل وعلا جاء به بصيغة الماضي على اعتباره شيئًا مفروغًا منه - لا بد أن يتحقق - هنا دقيقة لا بد من أن تستحضروها في أذهانكم.. لو كان الكلام كلام آدميين؛ لقلنا بلا تردد إن كلامًا من هذا النوع يحمل هذه الصيغة القاطعة في الإخبار يُعَدُّ من المجازفات؛ فمن ذا الذي يجرؤ على الإخبار عن المستقبل؛ أنت ترى الإنسان كافرًا بالله العظيم، لكن هل تملك أن تقول إن هذا الإنسان الكافر سيكون كافرًا أبدًا؟ هل تملك أن تقول: إن هذا الإنسان الكافر سيدخل النار لا ريب؟ من يدريك؟ قد تُدْرِكُ هذا الإنسانَ رحمةُ الله التي وسعت كل شيء؛ فيدخل الإسلام ثم يدخل الجنة فلا يستطيع الإنسان أن يجازف باخبارات من هذا النوع؛ لكننا أمام كلام العلي القدير؛ أمام كلام الذي أنزل القرآن - نحن الآن كمسلمين نقرأ القرآن بعد مضي الحادثة وبعد أن تبين لنا أن أبا لهب خسر بالفعل- مات أشنع ميتة ومات كافرًا واستحق النار بحربه لله وبتكذيبه لرسول الله وبإعانته قريشًا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم - فهو خاسر عندنا - لكن ضعوا أنفسكم في تلك الأجواء البعيدة، حينما كان القرآن يتنزل، وحينما كان يواجه قومًا يُكَذِبُونَ محمدًا صلى الله عليه وسلم، كان يخاطبهم بهذه اللهجة القاطعة بكلام الواقع قال لهم إن أبا لهب قد خسر - فمعنى ذلك أنه قد خسر - لكنها ريبة تبقى في قلوب الذين لا يؤمنون بالله ولا يؤمنون باليوم الآخر ولا يصدقون برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فحين تمضي الأيام وفي نفوس المشركين هذه الريبة ولا يكاد يمضي كبير زمن حتى تكون الهجرة العامة، وحتى يأذن الله بأن - يلتقي على عينه - معسكر الشرك ومعسكر الإيمان وتنجلي المعركة عن الفوز المبين في صف المسلمين، وعن الخسران الكبير في صف المشركين؛ ويأخذ الهمُّ من أبي لهب مأخذه الذي لا مأخذ بعده؛