والإسلام ينطلق في الحوار من التكافؤ بين البشر لا تفاضل لعِرْق كما قال اليهود ( نحن أبناء الله وأحباؤه) [ المائدة: 18] ، أو لون كما يدّعي العنصريون البيض في أوروبا، أو طبقية كما هي عند الهندوس؛ وإنما بصلاحهم، ولنتأمل آية قرآنية مفتتحة بالمبدأ، ومقرره وجود الاختلاف، ومبينة أهمية التعارف وخاتمة بميزان التفضيل ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) [الحجرات:13] .
وهذا الاختلاف من آياته سبحانه ( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) [الروم:22] .
فالإسلام يقرر أن الاختلاف حقيقة إنسانية طبيعية، ويتعامل معها على هذا الأساس ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات..) [المائدة:48] .
فوجود الاختلاف أمر واقع وله حكم إلهية ويجب التعايش معه (3) .
هذا هو الحوار والاختلاف في الإسلام، ولكن عندما ننظر إلى الواقع ودعوات الحوار الصادرة من الغرب لنا أن نتساءل: كيف يؤتي الحوار ثماره في العالم اليوم بين الشرق والغرب أو بين الشمال والجنوب وهو يصاحب الهيمنة والاستعلاء، والظلم والجور، والاحتلال ولغة السلاح؟! إن ذلك يفقد ثقتنا بهذا الحوار.
إن التكافؤ بين المتحاورين مهم جدًا ليحقق الحوار أهدافه (4) .
إن الحوار لا يحقق أهدافه مع الاحتلال في العراق والقصف في أفغانستان والمجازر المستمرة في فلسطين!
أيّ حوار ينادي به الغرب مع هذا العدوان والظلم ولغة الاستعلاء، وفرض المصطلحات واستغلال التفوق الإعلامي لتشويه الآخرين؟!
كيف نثق بهذا الحوار الذي يهدف إلى نمط جديد من الدبلوماسية؛ لتكريس الظلم، ولتحقيق مصالح تتعلق بالاقتصاد والسياسية ومواصلة الحرب والصراع والاحتلال؟! (5)
إن الغرب مطلوب منه قبل الحديث عن الحوار ونشر الديمقراطية (والشرق الأوسط الجديد) -إن كان يريد خيرًا بالآخرين- أن يخفف الهوة السحيقة بين البلدان الغنية والفقيرة، وعليه مساعدة البلدان على التنمية لا توريطها في الديون والفقر. وفرض الإملاءات عليها ويجب مساعدة البلدان التي خربتها الحروب؛ كالصومال وأفغانستان وغيرها على إنهاء ذلك الوضع؛ بل يجب أن تكف يدها عن إشعال الفتن في تلك البلدان.
بعد ذلك يُقال أننا نرفض الحوار والتسامح! ومن يتهمنا بذلك؟ إنه المستعلي الظالم المحتل لأرضنا والمشوه لديننا وثقافتنا!
ومع ذلك فلا نزال نقول إننا مع دفاعنا عن ديننا وثقافتنا وأرضنا وأنفسنا؛ فإننا نرى أن الحوار هو خيار مهم لتحقيق أهدافنا العليا القائمة لمصلحة البشر.1- انظر: موقف الإسلام من الحضارات الأخرى، د. محمد نورد شان، بحث مقدم إلى ندوة الإسلام وحوار الحضارات- غير منشور، مكتبه الملك عبد العزيز، الرياض / السعودية، محرم 1423هـ، ص:6.
2-انظر: مدخل إسلامي لحوار الحضارات، لمحمد السعيد عبد المؤمن ص (11-12) . بحث مقدم لندوة الإسلام وحوار الحضارات، مكتبة الملك عبد العزيز، 1423 غير مطبوع.
3-انظر مجلة المعرفة، العدد 101 شعبان 1424 هـ موضوع قيم الإسلام، الحوار والانفتاح على العالم ص ( 18-26) .
4-انظر: من أجل حوار بين الحضارات (9) روجيه جارودي . دار النفائس، الطبعة الأولى 1411 هـ.
5-انظر: حوار الحضارات، محمد خاتمي (50) ضمن كلمة الرئيس الإيراني في اليونسكو ( بتصرف) في فرنسا 30/10/91 دار الفكر دمشق الطبعة الأولى 1423 هـ.