فهرس الكتاب

الصفحة 692 من 27345

فقد جاء في الصحيحين وغيرهما من طريق مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه أخبره أنه سأل عائشة رضي الله عنها كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: ( ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة ، يصلى أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلى ثلاثًا ) (1)

قال ابن عبد البر رحمه الله: ( وأكثر الآثار على أن صلاته كانت إحدى عشرة ركعة ) (2)

وروى مالك في الموطأ بسند صحيح عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة....) (3)

وما جاء أن الناس كانوا يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة. فلا يصح . رواه مالك (4) وغيره بسند منقطع .

وجاء عند عبد الرزاق (5) عن داود بن قيس وغيره عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أن عمر جمع الناس في رمضان على أبي بن كعب وعلى تميم الداري على إحدى وعشرين ركعة ) .

وهذا الخبر غير محفوظ . ورواية مالك عن محمد بن يوسف بإحدى عشرة ركعة أصح من رواية داود . وأهل العلم بالحديث يقدمون مثل مالك على من دونه بالحفظ فتقرر بهذا أن السنة عدم الزيادة على إحدى عشرة ركعة ، لأن هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي داوم عليه ولم يذكر عنه خلافه وعليه جرى العمل في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه ووافقه عليه الصحابة ولم يأت عن أحد منهم شيء صحيح يخالف هذا وغاية ما يحتج به القائلون بسنية ثلاث وعشرين ركعة عمومات صحّ تقييدها ، واجتماع الناس في عهد عمر على ذلك وهذا لا يصح والمحفوظ أنّه جمعهم على إحدى عشرة ركعة وقد تقدم على أن ترجيح هذا القول لا يجعل القول الآخر بدعة أو ضلالة فالمسألة اجتهادية والخلاف فيها محفوظ .

وقد قال أكثر أهل العلم بالزيادة ورأوا أن من صلى عشرين ركعة أو ثلاثًا وعشرين أو أكثر أنه مصيب ومأجور.

وذكر الإمام ابن عبد البر رحمه الله إجماع العلماء على هذا فقال ( وقد أجمع العلماء على أن لاحدّ ولاشيء مقدرًا في صلاة الليل وأنها نافلة فمن شاء أطال فيها القيام وقلت ركعاته ومن شاء أكثر الركوع والسجود ) (6) .

غير أن البحث عن الراجح والعمل بالأفضل مطلب من مطالب الشريعة ، وقد بينت السنة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي داوم عليه حتى فارق الحياة وجرى عليه عمل أصحابه من بعده أن قيام الليل إحدى عشرة ركعة في رمضان وغيره . ولم يصح عن أحد منهم التفريق في رمضان بين أول الشهر وآخره على عادة الناس اليوم بل كانوا يقومون بهذا العدد طِوال حياتهم ويجتهدون في العشر الأواخر في الكيفية دون الكمية ، فيطيلون القيام والركوع والسجود متلذذين بتدبر القرآن فهو حياة قلوبهم ومتنعمين بالوقوف بين يدي رب العالمين، ولم تكن همة أحدهم مصروفة إلى هَذّ القراءة ابتغاء بدعة يؤدونها آخر الشهر (7) أو تكثير عدد الركعات والإخلال بالطمأنينة بحيث لا يمكن للمأموم متابعة إمامه إلا بمشقة وعناء نسأل الله العافية .

المسألة الثالثة: ( في كيفية صلاة الليل )

(1) البخاري ( 1147 ) ومسلم ( 738 ) .

(2) الاستذكار . ( 5 / 236 ) .

(3) الموطأ بشرح الزرقاني ( 1 / 238 ) .

(4) الموطأ بشرح الزرقاني ( 1 / 239 ) .

(5) المصنف[ 4 / 260 - ) .

(6) الاستذكار [ 5 / 244 ] .

(7) وقد كتبت في ذلك رسالة تحمل عنوان (( البيان في حكم دعاء ختم القرآن ) )أوضحت في ثناياها عدم مشروعية دعاء الختمة داخل الصلاة وأنه لم يثبت بذلك خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة وأن القول به هتك لسياج قاعدة التوقيف في العبادات وبالتالي خرق للإجماع قال الإمام مالك رحمه الله (( ما سمعتُ أنه يدعو عند ختم القرآن وما هو من عمل الناس ) )المعيار المعرب [ 11 / 114 ] والمدخل لابن الحاج [ 2 / 299 ] وقد تقرر في قواعد أهل العلم أن ما وجد سببه ومقتضاه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعصر صحابته ولم يقع منهم فعل لذلك مع عدم المانع من فعله ففعله بدعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت