وفي عديد من مصادر تاريخ اللقاء بين الشرق والغرب نجد إشارة إلى وصية لويس التاسع الذي كان أول من أشار إلى تجنيد المبشرين الغربيين في معركة سلمية لمحاربة تعاليم الإسلام ووقف انتشاره ثم القضاء عليه معنويًا واعتبار هؤلاء المبشرين في تلك المعركة جنودًا للغرب.
وإذا كانت الحروب الصليبية منذ بدأت 1299م وانتهت 1499 فإن انسحاب المسلمين من الأندلس انتهى 1493 وكان ذلك بعد انم استولى محمد الفاتح على القسطنطينية عام 1354 (857 هجرية) في ظل ذلك كله بدأ العمل توًا على إنشاء قاعدة للغرب في قلب الشرق العربي يتخذها نقطة ارتكاز له ومعقلًا لمعركته العقائدية الفكرية التي تستهدف حصار الإسلام والوثوب عليه.
وقد اختيرت هذه الأراضي على شاطئ البحر الأبيض الشرقي مسرحًا لهذا العمل منذ ذل كالوقت وتحرك العمل بين بيروت والقاهرة والقسطنطينية. وفي نفس الوقت الذي كان عمل مماثل يتحرك في تونس والجزائر ومراكش، وأعمال أخرى في المناطق الإسلامية في الهند وفي جاوة وأندونيسيا والفيليبين.
الوثيقة الثانية:
أما الوثيقة الثانية فهي تقرير من أحد معاهد الإرساليات بقلم الأستاذ نبيه أمين فارس يكشف فيه إبعاد الخطة كلها وهي في نظرنا وثيقة تطبيقية لمخطط لويس التاسع يقول:"بينما كان الشرق الأدنى مطمحًا لأفكاره بناء الإمبراطوريات كان أيضًا مطمح إنظار جماعة أخرى من الناس تنشد أن تنجز عن طريق"الكلمة"ما عجز أجدادها الصليبيون عن تحقيقه عن طريق السيف. وبعبارة أخرى تنشد احتلال مهد المسيحية وإخضاع العالم كله للمسيح. إن هذا الحلم المسيحي قديم-قدم المسيحية ذاتها وهو يستمد وحيه الدائم من الوصية العظمى كما سجلها أبو المبشرين، القديس بولس."
ولعل سبب سيطرة هذه الوصية كرة أخرى على عقول المسيحيين يعود إلى اليقظة الدينية التي عمت إنكلترا في أواخر القرن الثامن عشر، واليقظة الدينية المقابلة لها في الولايات المتحدة التي تمثلت فيما سمى بروح إنكلترا الجديدة، وعلى ذلك فقد شهدت السنوات الأخيرة من القرن الثامن عشر والسنوات الأولى من القرن التاسع عشر ظهور كثير من الجمعيات التبشيرية التي كرست نفسها لحمل الإنجيل إلى جميع البشر، ويمكن أن يضاف إلى هذين العاملين عامل آخر هو ازدياد المطامع السياسية والاقتصادية في ممتلكات رجل أوربا المريض (يقصد الدولة العثمانية الإسلامية) ومن المحتمل أن يكون لهذا العامل الأخير علاقة باختيار الشرق الأدنى ميدانًا مفضلًا للنشاط التبشيري.
ومن أهم هذه الجمعيات التبشيرية التي ظهرت في هذه الفترة: الجمعية التبشيرية الكنسية التي أسست في لندن 1799 والمجلس الأمريكي لمندوبي البعثات التبشيرية. وقد أرسل المجلس الأمريكي بعد تسع سنين من تأسيسه أول مبشرة إلى الشرق الأدنى، ولما كانت المشكلة الأولى التي واجهت أولئك المبشرين هي اختيار مركز ملائم لهم. وقدم سوريا 1823 مبشرًا آخرين وانتقلوا إلى بيروت وكان غرض البروتستانت أن يتمكنوا بالاشتراك مع كنائس الشرق الناهض من كسب الكفار إلى دين المسيح غير أنهم سرعان ما وجدوا أن الإسلام لم يكن قد فقد سيطرته على قلوب المؤمنين وصمم المبشرين منذ البداءة على استعمال الكلمة حيث فشل استعمال السيف، وفي سبيل هذه الغاية أسسوا المطبعة الأمريكية أولًا في مالطة 1822 ثم في بيروت 1834، وأخذوا يفتحون مدارس للبنين والبنات بصورة منتظمة حتى بلغ عدد هذه المدارس ثلاثًا وثلاثين في أقل من هذا العدد من السنين وعكفوا على إنجاز تلك المهمة العظيمة: مهمة إعداد ترجمة عربية صالحة مقروءة للتوراة.
وعدوا فوق ذلك حمل لواء الحرية الدينية بصورة خاصة والمطلقة بصورة عامة (1) .
الوثيقة الثالثة:
ومن الجزائر تقدم تقم هذه الوثيقة: من قلم الدكتور محمد تقي الدين الهلالي نشرها في الفتح عام 1931.
"إن هؤلاء الأوروبيين الفاتحين المبعدين للأحرار المحربين للديار مازالوا يحرمون عبيدهم من كلمة الجهاد ويعدون ذكراه فضلًا عن فعله من أعظم الذنوب وهو آية الهمجية والتعصب الديني الممقوت، وبلغ بعضهم الأمر أن حرموا على المسلمين تفسير آيات الجهاد في كتب الفقه وبعيني شاهدت صحيفة الأذن Permited التي حصل عليها شيخنا محمد بن حبيب الله الشنقيطي رحمه الله في مدينة المشربة قسم وهران من الجزائر وفيها أن الإذن بتدريس علوم الدين مقيد بأن المدرس لا يفسر أي آية أو حديث يدل على الجهاد وأن لا يدرس شيئًا من أبواب الجهاد في كتب الفقه ولما راجت دعاية هؤلاء في الشرق صار المسلمون ينفرون من لفظ الجهاد".
(1) مجلة الأبحاث أيلول-سبتمبر 1958، م 11، ص 383.